OSDS - One Secular Democratic State

يوجد حل سياسي بديل عملي للدولة الواحدة، العلمانية والديمقراطية، من النهر إلى البحر

ا نهيار النهائي للصيغة الكاذبة “دولتين لشعبين” هو أمر واقع، ويشرح بشكل جيد للغاية حالة الذعر التي يبثها المتحدثون ا سرائيليون من جميع أنحاء الطيف السياسي الصهيوني. لسنوات عديدة شكلت فكرة “دولتان لشعبين” تغطية ممتازة ستمرار ا حت ل من خ ل تحويل قيادات منظمة التحرير إلى مقاولين ثانويين لها. ا ن، وأخيرا، فقد انهارت هذه المعادلة الكاذبة علنا وبشكل واضح. ولقد ساهم في الكشف عن هذه الخديعة تبنيها من قبل حكومة إسرائيل الحالية، والتي يفوق بطشها بالشعب الفلسطيني بطش الحكومات السابقة.

ويأتي الدليل الساطع على ا ف س التام لحل “دولتين لشعبين” من وزراء حكومة السلطة الفلسطينية وكبار المسؤولين هناك. فلقد زودنا هؤ ء بعشرات التصريحات على غرار “امكانية نقل تأييدهم” من فكرة الدولتين إلى فكرة الدولة الواحدة المشتركة، وحول فشل الرؤية القديمة التي ماتت قبل و دتها. فإذا كان هذا الفريق، وهو الوحيد المستفيد والذي يسمن من شعار حل الدولتين، بات يتخلى عنها علنا، ف بد بأن هذا الشعار الفارغ قد وصل إلى الهاوية في بورصة ا وهام.

أحد يعتقد ا ن بأن حكومة نتانياهو- ليبرمان – يشاي والمدعومة من ايهود باراك (من الداخل) وتسيبي ليفني (من الخارج)، ستسمح بنوع ما من السيادة الفلسطينية ، حتى ولو داخل جزيرة البنتوستانات المبعثرة والمجزئة في الضفة الغربية. رغم ذلك، فإن حكومة الو يات المتحدة تزال تدعم الموقف ا سرائيلي علنا، في حين تواصل قيادة السلطة الفلسطينية التعاون مع اسرائيل في جميع المجا ت، وتخضع للهيمنة ا سرائيلية. صحيح أن السلطة الفلسطينية تحاول انقاذ ماء وجهها با متناع عن محادثات مباشرة مع اسرائيل، ولكن في الحقيقة فإن المحادثات والتنسيق بين أجهزتها وأجهزة القمع ا سرائيلية لم يتوقف ولو للحظة.

الهدف الحقيقي من حل “دولتين” هو الحصول على اعتراف القيادة الفلسطينية بـ “الدولة اليهودية”، القائمة على دوافع الفصل العنصري، والراسخ في مقولة رابين “نحن هنا وهم هناك”، والحفاظ على الدولة التي تقوم على العنصرية المتخلفة، وفي الوقت نفسه تعزيز القيم الطائفية البدائية. على أساس هذا البرنامج نمت ا غ قات، والحواجز، والطرق ا لتفافية، وجدار الفصل وإقصاء الفلسطينيين عن حقوقهم وأراضيهم. وتدريجيا بدأت وسائل السيطرة وا قصاء تزحف من مناطق 0691 إلى داخل مناطق 0691، لتصبح بارزة ومكشوفة. حيث نشاهد المستوطنات الجديدة، والشوارع ا لتفافية المحيطة بالبلدات العربية داخل مناطق 0691، تماما كما في مناطق 0691.
هكذا تم استخدام شعار “الدولتين” ليس من أجل تغيير الواقع، بل من أجل مؤسسة، وتعزيز وتحصين نظام الفصل العنصري.

يفتح انهيار ديكور “رؤية” الدولتين ثغرة جديدة في الفرص السياسية والوعي الجماهيري. ولكن لحظات فقط قبل تحول هذه الثغرة إلى حقيقة، يقوم حرس النظام القديم ومساعديهم بسدها بشكل فعال، بهدف تحويل النضال إلى المسر القديم والمعروف، ويهدف سد الطريق أمام الوعي الجديد. أما جهاز الفرملة فيسمى “الدولة ثنائية القومية”، ليصبح أخر صرعة؛ إنها خطة قديمة والتي ستتحول كسابقتها إلى ُطعم للجماهير ولتساهم في خدعهم وتأييدهم. ويتم هذه المرة تجنيد فريق الدعم مباشرة من ا كاديمية ومن بين نخب ومثقفي إسرائيل اليهودية.

معادلة “الدولة ثنائية القومية” هي عمليا وبكلمات أخرى معادلة الكونفديرالية، والتي تعود من الباب الخلفي بعد إبعاد معادلة الدولتين. فالدولة ثنائية القومية تضمن عمليا امكانية العودة للمطالبة لخطة التقسيم إلى دولتين؛ فكل “قومية” يمكنها المطالبة بممارسة حق تقرير المصير، وحتى ا نفصال. هكذا نعود عمليا إلى نقطة البداية التي أوصلتنا إلى المأساة الحالية.

أثنين من أكثر المتحمسين لحل “ثنائية القومية” استطاعوا ا ستحواذ على جمهور واسع، وهما ميرون بنبنستي وبورفيسور يهودا شنهاب. وفي الجانب الفلسطيني فقد تم اقتراح هذا الحل قبل عدة سنوات من قبل د. عزمي بشارة.

وكان “ميرون بنبستي” قد نشر في مجلة “مطاعم”، عدد كانون ا ول 0226، مقالة بعنوان “نعم، من أجل حل ثنائي القومية للصراع”. كما كرر بعض المواقف نفسها في مقا ت في صحيفة “هآرتس” مؤخرا. ويشرح في مقالته أنه وبعد أربعين سنة من ا ستيطان في ا راضي، يمكن اعتبار المستوطنات احت أكثر مما في فترة ا ستيطان ا ولى. وأن ما يحافظ على السيطرة ا سرائيلية ليس سوى الشوارع ا لتفافية، سرقة ا راضي ونظام الحواجز. وهو يشير بشكل دقيق إلى نجاح إسرائيل في تهشيم ا مة الفلسطينية وتفتيتها إلى خمس تجمعات منفصلة ومنعزلة تخشى من وضع برنامج قومي م ًوحد. ويشير كيف أن اغلبية العالم توافق على هذه الوضعية، وكيف تستغل إسرائيل “الخوف الديمغرافي” وتلوح به وكأنه قنبلة موقوتة. لكنه يمتنع عن توصيف الوضع السياسي الحالي على أنه الفصل العنصري. كما أنه يلغي مسبقا امكانية أن تقوم هنا ما يسميه “دولة وحدوية مثل جنوب افريقيا اليوم”. وبعبارة أخرى، انه يرفض على نحو قاطع استبدال نظام الفصل العنصري بدولة ديمقراطية علمانية، ويستغل ا شكاليات في جنوب أفريقيا كذريعة لذلك. يطلق بنبستي على الحل العملي الذي يقترحه اسم “المساواة في ا حترام”. شيء يشبه ا تفاقات في ايرلندا الشمالية. بنفنستي يدعو إقامة دولة يهودية التي تسيطر على جميع أنحاء المنطقة، وحكم ذاتي للفلسطينيين في ا ش ء المتناثرة كالجيوب داخل مناطق السيادة الحقيقية.

أما بروفيسور يهودا شنهاب، فيكشف في كتابه الجديد “فخ الخط ا خضر” من إصدار عام عوفيد، 0202، عن عدة استنتاجات حكيمة وممتازة. فهو يشرح كيف يخفي نموذج 0691 في داخله الوضع القائم في 0691، ويشرعن جريمة النكبة؛ كما يكشف عن عنصرية اليسار الصهيوني، و ُيع ًرف إسرائيل اليوم بدولة الفصل العنصري ثنائية القومية. وفي خضم اقتراحاته لحل الصراع، يمتنع من التطرق مباشرة لتعويذة “ثنائية القومية”، لكن حلوله التي يعرفها هو على أنها “أمثولة” تندرج تحت هذا ا طار.

يقول شنهاب أن الحل ا قل مرغوبا هو حل “دولة جميع مواطنيها”، وهي الحل الوحيد ا قرب للدولة العلمانية الديمقراطية؛ أي دولة واحدة مشتركة يتمتع مواطنيها بالمساواة التامة بالحقوق. أما النموذج الثاني المقبول عليه أكثر، فهو “تقسيم السيادة ومنح حقوقا قومية ودينية كاملة للشعبين”. لكنه يعترف بأن هذا النموذج يكرس، نوعا ما، نموذج الدولة اليهودية القائم.

شنهاب بفضل نموذج “الديمقراطية الوفاقية”. ويقول أنه يمكن التوصل إلى هذا الحل عبر توزيع الحيز القائم لحيزات قومية صغيرة على هيئة كنتونات. ويضيف شنهاب تحفظ وحيد لهذا النموذج، حيث يشترط تقسيم الحيز بشكل يضر بالسكان القاطنين. وهو يقول أنه من غير ا خ قي إخ ء المستوطنين، وأنه يجب السماح لهم بالبقاء في اماكنهم. ومن المؤسف أنه حتى يقترح فتح المستوطنات أمام السكان الفلسطينيين إلى جانب اليهود، والقضاء بذلك على الفصل العنصري. كما يقفز شنهاب وبلباقة عن مسألة فصل الدين عن الدولة. فهو يقول إننا نعيش في عصر “ما بعد العلمانية”، ليحل نفسه من التعامل مع مسألة ماهية الع قة بين الدين والدولة.

فعندما يكتب شنهاب أنه “با مكان التفكير بنموذج سياسي يتضمن برلمانيين، واحد ل كثرية اليهودية، والثاني ل قلية الفلسطينية”، فهو يقول عمليا أنه الفلسطينيين سيبقون دائما أقلية، أي أنه لن يتم تحقيق العودة. في تبنيه لنموذج الفصل بين اليهود والعرب، فإن شنهاب يموضع نفسه في مركز المستنقع الصهيوني، التي يدعي أنه حاول الخروج منه. هذا يعني أن كتابه هو نص صهيوني بكل ما تعنيه الكلمة.

المبدأ المشترك بين بنبستي وبين شنهاب، هو طريقة موافقتهم على وجود المستوطنات اليهودية كحقيقة ثابتة يمكن تغييرها. فك هما يلوحان بمقولة ” يمكن تصحيح الغبن بغبن آخر”. لكن هذه فلسفة فارغة من كل مضمون. فيجب، بل ويمكن اص ح الغبن الهائل مثل جريمة التطهير ا ثني ل مة الفلسطينية. المطلوب هو فقط تغيير التوجه القائم في صلب ا ستعمار الكولونيالي. تماما مثلما يجب ويمكن الغبن الذي تخلقه ع قات القوى ا قتصادية التي تنتج الفوارق الهائلة في دخل الفرد (بنسبة 0 إلى 02)، وذلك عبر وسائل تجسر هذه الهوة. فحل الصراع بين الصهيونية وبين الشعب الفلسطيني ليس مسألة تغييرات تجميلية.

يجب التذكير بأن حق عودة ال جئين الفلسطينيين إلى المناطق التي طردوا منها، يمكن تحقيقه في ظل الدولة “ثنائية القومية”. فهذا المخلوق الهجين يقوم على أساس مناطق ذات فئات أثنية واحدة، يمكن للطرف ا خر السكنى فيها. ضمن هذا ا طار المش ًوه والرجعي تتم المحافظة على المستوطنات، وربما على الكيبوتسات، كتجمعات فصل عنصري ذات فئة أثنية واحدة. أي أن الدولة اليهودية تستمر بوجودها كمؤسسة مهيمنة على هذا ا طار.

كما يمكننا م حظة نزعة الدولة ثنائية القومية لدى مؤيدي حل الدولتين، مثل مجموعة “ترابط” والتي هي تشكيلة من الجبهة الديمقراطية والتجمع الديمقراطي. في عام 0660 كان عزمي بشارة أول من اقترح فكرة توزيع السلطة داخل إسرائيل بين ا كثرية وا قلية، عبر كراسة “الحكم الذاتي للفلسطينيين في إسرائيل”. وكان تنظيم “الفنار” النسوي الفلسطيني قد أماط اللثام عن عيوب هذا الحل. حيث أشارت عضوات التنظيم إلى أن هذا الحل يعزز المؤسسات ا بوية التقليدية، ويؤثر سلبا على تقدم النساء.

أيضا اليوم تحذر بعض النسويات الفلسطينيان من تبني وثائق التصور المستقبلي التي تؤدي إلى دولة ثنائية القومية، دون ا خذ بالحسبان مكانة النساء. ففي العدد 49 من مجلة “نظرية ونقد”، ربيع 0226، (بالعبرية) تكتب ليليان أبو طبيخ أن “المطالبة بالتعامل مع ا خت ف الثقافي في مسألة ا راضي، المسكن وتوزيع الموارد، ستؤدي بالضرورة إلى استمرار ظلم النساء، حيث تتم التضحية بحقوق النساء من أجل الحفاظ على الثقافة وحمايتها من القوى الكولونيالية”. ومما شك فيه بأن هذه النزعة ستستمر ضمن الدولة ثنائية القومية. فعندما يتم فرض الحدود الثقافوية والطائفية على المجتمع، حتى ولو بقوة ا تفاقيات المقبولة، فإن النساء همن مؤشر حدود هذا النطاق. فقط عندما يتم ترسيم هذه الحدود بواسطة ا نضمام الطوعي، تستطيع النساء ويستطيع الرجال ا نتقال من مجتمع إلى مجتمع بحرية.

فقط في الدولة العلمانية الديمقراطية (وهو نموذج ليس بجديد، وعليه تقوم اليوم الدول المتطورة، وبعض الدول النامية) تستطيع جميع فئات المجتمع من التمتع بحقوقها الثقافية. توجد اليوم أية إشكالية بممارسة المساواة اللغوية، حيث يكفي نشر كل وثيقة رسمية باللغتين، والتأكد من وجود موظفين في كل مؤسسة يجيدون التحدث باللغتين. السكان العرب في إسرائيل يمارسون هذا ا مر فع ، تماما كما في جميع مؤسسات ا تحاد ا وروبي. و توجد مشكلة في كتابة اللغتين على كل فتات الطرق. طبعا يجب تخصيص ميزانيات لمؤسسات التربية والتعليم بشكل متساو، ويحب تدريس تاريخ الب د والمنطقة، وأن يتعلم كل طرف أدبه ولغته إلى جانب تعلم أدب ولغة الطرف ا خر.

ثمة أطرف مختلفة تخشى حل الدولة العلمانية الديمقراطية. وثمة من يحاولون مرة تلو المرة اقناعنا بالتخلي عن “العلمانية”، بهدف نيل اعجاب “قوى اجتماعية” متنفذة تقبل بهذا الحل. هؤ ء يتجاهلون الحقيقة بأن التخلي عن “العلمانية” يعني التخلي عن مفهوم “الديمقراطية”. الدولة ثنائية القومية هي ضمنا دولة غير ديمقراطية. فالمؤسسات المركزية في هذه الدولة تنتخب عمليا على أساس إثني، وليس من قبل ا غلبية الديمقراطية؛ أي أن شخص واحد – صوت واحد. كما توجد محاو ت للتملص من فكرة العلمانية الديمقراطية تحت ستار الدولة “العلمانية-الديمقراطية-ثنائية القومية”. لكن جميع هذه الحيل لن تنجح، ن الدولة ثنائية القومية هي بمضمونها دولة مناهضة للديمقراطية.

نأمل بأن ا نفتاح الجديد على هذه المسألة سيؤدي إلى مناقشة مستفيضة لشكل النظام المرجو، والذي نأمل أن يستبدل المبنى الفاشل القائم للدولة اليهودية، التي ليست علمانية وليست ديمقراطية.


إيلي امينوف: “دولة ثنائية القومية – الخدعة الجديدة”, المنتدى الديمقراطي، مارس 2010