OSDS - One Secular Democratic State

ساد في العقود الماضية الميل للنظر إلى الحل في فلسطين كونه نتيجة التفاوض المباشر، أو الضغط الدولي، أو حتى تغيّر فجائي في الوضع الديموغرافي، أو أخيراً بتحوّل في “قناعات” المستوطنين. لا شك في أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، ولقد ظهر واضحاً بعد عقود من التفاوض أن الدولة الصهيونية لا تسمح بحلّ يعطي الفلسطينيين جزءاً ضئيلاً من فلسطين. وأن الوضع الدولي يخدم وجود الدولة الصهيونية، حتى في ظل أزمة الرأسمالية، وضعف أميركا، وتصاعد الصراعات بين الدول الإمبريالية، لأن كل منها يميل لتأكيد دعمه لهذه الدولة للإفادة منها في فرض سيطرته على المنطقة. آخر ذلك هو دور روسيا الإمبريالية، روسيا التي تسعى لأن تكون الدولة الصهيونية أداة لها وهي تهمّ في السيطرة على المنطقة.

أما الوضع الديموغرافي فالدولة الصهيونية تعي حقيقة هذه المشكلة لهذا تعمل على إخراج فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة من بنية الدولة، رغم أنها تضم الأرض، كون كل أرض فلسطين هي “إسرائيل” كما تدعي، وكما تعمل على فرض أمر واقع يحسم ذلك. وبالتالي فإن ضم كل أرض فلسطين للدولة الصهيونية لن يؤدي إلى وجود أغلبية فلسطينية فيها كما يتوهم بعض من يمتلك نظرة سطحية، وحلولاً سهلة.

وحول “قناعات المستوطنين” ليس الأمر سهلاً، وإلا سنقع في سذاجة مفرطة. هنا لا بدّ من فهم التناقضات التي تخترق المجتمع الصهيوني، وفهم كل إمكانية يمكن أن تؤثر في هذه القناعات.

بالتالي لا يتعلق إنهاء الدولة الصهيونية وبناء الدولة العلمانية الديمقراطية الواحدة بمسارات عفوية، ولا بأقدار يمكن أن تقود إلى ذلك، بل يتعلق بدور فعلي، بنشاط عملي، بجهد من أجل تصعيد كل الصراعات الممكنة وصولاً إلى لحظة يصبح ممكناً فيها حسم الصراع. هنا يجب أن يكون واضحاً تماماً أن ما يبدو غير ممكن الآن، أو حتى مستحيلاً، هو كذلك نتيجة النظر إلى الواقع بسكونية، الواقع كما هو الآن، وبهذا سيكون مستحيلاً بالتأكيد. لكن لا بد من فهم تناقضات الواقع والبناء عليها، والعمل على تصعيدها. هنا للفعل الذاتي دور كبير في تحويل القناعات وتغيير موازين القوى، وتحديد السياسات الصحيحة. فحسم الصراع، أي صراع، لا يخضع للأقدار، بل يرتبط بفعل الإرادة، وبالدور العملي.

إن الوضع العربي القائم لا يوحي بأي إمكانية لأن يكون للنظم العربية دور في تحرير فلسطين، على العكس فإن النظم العربية تسير نحو التفاهم والتوافق العلني مع الدولة الصهيونية، وحتى إقامة حلف معها. لكن هذه النظم هي في مواجهة مع شعوبها، أظهرت الثورات ذلك بكل وضوح، لهذا فإن تناقض الشعوب مع النظم يفرض حتماً رفض منظومة علاقاتها وارتباطاتها، ولقد بات واضحاً تبعيتها للإمبريالية الأميركية، وتوافقها مع الدولة الصهيونية، الأمر الذي يجعل الصراع مع النظم هو صراع مع هذه الدولة ومع الإمبريالية. وأعتقد أن الوعي الشعبي يستوعب أنّ تخلفنا وتفككنا هو نتيجة دور كل منهما. من هذا المنظور يصبح من الضروري تطوير الصراع مع النظم، وتأسيس نظم تعبّر عن الشعوب، وستكون بالضرورة في تناقض مع الدولة الصهيونية كونها أداة إمبريالية. هنا، لا بدّ من أن نلاحظ أن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى فعل قوى سياسية تعي طبيعة الصراع، وتعرف كيف تخوضه. ولقد أشرت أن هذا الصراع هو الصراع الأساس لاستعادة فلسطين، كون تغيير النظم، أو جزء منها في محيط فلسطين، سوف يفرض تغيير ميزان القوى، وتحوّل طبيعة الصراع. وسينعكس ذلك على التناقضات الأخرى التي سأشير إليها تالياً، بحيث يكون ممكناً أن تعود فلسطين عربية.

أشرت إلى مأزق النضال الفلسطيني، وإلى أزمته الراهنة، لكن هذا النضال ليس من الممكن أن يتوقف نتيجة أن الشعب الفلسطيني فقد أرضه، ويعاني من سيطرة صهيونية فرضت نظام أبارتهيد، ولهذا هناك تناقض وطني يفرض ذاته. لهذا سوف يستمر النضال الفلسطيني بأشكال مختلفة، من قبل اللاجئين الذين كانوا “وقود” الثورة الفلسطينية (قبل بيعهم من قبل القيادة الفلسطينية)، ورغم تشردهم بعد استهداف وجودهم في المخيمات في لبنان وسورية والعراق، فلسوف يظلون معنيين بتطوير الصراع ضد الدولة الصهيونية. في فلسطين، هناك أشكال مختلفة من النضال الوطني أشرت إليها قبلاً. لكن كل ذلك يفترض إعادة بناء مشروع المواجهة، وإعادة طرح المسألة “كما هي”، أي مقاومة شعب ضد مشروع استيطاني إمبريالي. وأن الهدف هو استعادة فلسطين. لقد فشل شكل الصراع السابق، وفشلت سياسة القبول بدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا مستقلة ولا تحت الحماية، حيث ترفض الدولة الصهيونية كل ذلك. وسارت الثورة الفلسطينية إلى دمار نتيجة سياسات قادتها. لهذا بات من الضروري إعادة بناء المشروع.

هناك أسس نشوء تناقضات أخرى، وبالتالي مستويات صراع أخرى هي ممكنة. ربما تظهر أنها هامشية الآن، أو حتى مستحيلة، ويمكن اعتبار أن الشغل فيها أمر عبثي، أو حتى “خيانة”، لكنها تناقضات ممكنة، ومن الضروري الشغل على تصعيدها.  وكلما كان المشروع المطروح واضحاً سوف يزيد من ممكناتها. وكذلك كلما تغيّر ميزان القوى في الصراع العربي الصهيوني سوف تكون ممكناتها أكبر. أولها يتعلق بالأزمة التي باتت تنشأ لدى “نخب” يهودية، وجزء من الشباب في المجتمع الصهيوني نتيجة الانشداد المستمر والطويل للحرب ضد المحيط العربي، وخوض الحروب المستمرة، والشعور بالتهديد الدائم، الأمر الذي يوجد حالة من الإرهاق من جهة، ومن الشعور بعبثية الوجود ذاته من جهة ثانية، وكذلك من الشعور الأخلاقي الذي ينعكس بفهم الدولة الصهيونية كدولة قتل من جهة ثالثة. هذه العناصر توجد ميولاً نحو الهجرة، هي في تزايد، وكذلك نحو مقاومة الدولة، أو الطابع العنصري بالأبارتهيدي في الدولة. ويؤسس لميول تريد “السلام”، أو حتى البحث عن حلّ توافقي، وحتى القبول بإنهاء الدولة الصهيونية ذاتها. إن جزءاً من الأجيال التي ولدت في فلسطين تشعر أنها موضوعة في تناقض مع المحيط، وأن السبب هو ممارسات الدولة الصهيونية العنصرية والعنيفة. ولكي تستمر في العيش هنا، في فلسطين، تفكّر في ضرورة الوصول إلى حل ينهي الصراع، حتى وإن جاء كنهاية للدولة. من هؤلاء من دعم حل الدولتين كشكل من أشكال إنهاء الصراع، لكن فشل حل الدولتين فرض ان يجري طرح شكل ما من الدولة الواحدة الديمقراطية، لكنها “إسرائيل”. ولا شك في أن استمرار الصراع سوف يعزز من هذه الميول، ويطورها، خصوصاً إذا ما جرى طرح حل حقيقي في إطار فلسطين. ولا شك في أن وجود ودور الدولة الصهيونية في إطار المشروع الإمبريالي بات واضحاً لجزء من هؤلاء. وهذا أمر يسمح بالتوافق على “دولة جديدة”، ربما لم يحسم أنها فلسطين، لكن سيكون واضحاً أن لا بديل عن ذلك.

وثانيها التناقضات فيما بين اليهود، حيث أن مرور سبعين سنة على نشوء الدولة الصهيونية لم يخلق هؤلاء “إسرائيلية” تحلّ محل اليهودية التي التزمتها الحركة الصهيونية، والسبب الجوهري هو أن اليهودية كانت هي أساس نشوء الدولة، وأنها الأسطورة التي بني عليها الحق بإقامتها. ربما يظهر أن هناك من ولد في فلسطين، أو أولاد هؤلاء، قد تكيفوا مع الهوية الإسرائيلية، لكن أيديولوجية الدولة، ونظام التعليم يفرضان التأكيد على “يهودية الدولة”، وبالتالي يجعلان كل من بات يرى أنه “إسرائيلي” مغترباً في التكوين العام القائم. وكذلك سيكون هناك تناقض مع الهوية العربية القائمة. وأيضاً تناقض في تحديد حدود الدولة ذاتها، أي هل ستشمل كل فلسطين، وهذا يفكك طابعها الإسرائيلي نتيجة التوازن الديموغرافي، أو نتيجة الشكل الأبرتهايدي الذي يمكن أن تتخذه. بمعنى سيكون هناك تناقض بين الهوية وحدودها، وكذلك اختلافها، أو تناقضها مع هوية أخرى هي الهوية العربية.

من هذا المنظور ستكون هذه الهوية في مأزق، وسيُظهر الصراع هشاشتها. بالتالي يمكن أن نشير إلى أن الهوية الدينية يمكن أن تتراجع لمصلحة الهويات “القومية”، والمناطقية، وهو ما يظهر في التناقض بين اليهود الغربيين (الأشكناز) واليهود الشرقيين (السفرديم)، واحتمال تصاعد الميول القومية على حساب الهوية الدينية. ولا شك أن هناك تناقضات ظاهرة تتحدد في التمايز في الوضع الطبقي بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين، ومن ثم الفلاشا. كما في التمايز الثقافي، حيث يظهر اليهود الغربيين كنخب بالقياس إلى اليهود الشرقيين المفقرين الذين يعانون من التخلف الثقافي، وبالتالي يمكن أن يتشربوا أيديولوجية يمينية. لكن في كل الأحوال سوف يفرض وضعهم الميل ضد الدولة، واستعادة هوية هربوا منها طويلاً. وهذا يحتاج إلى شغل ورؤى تسهم في تسهيل هذا الميل. هؤلاء عرب يدينون بالديانة اليهودية، ويجب أن يجري العمل معهم انطلاقاً من ذلك، بغض النظر عن موقفهم، أو موقف بعضهم الراهن كداعم لليمين للصهيوني، حيث لا بدّ من أن يكون هناك رؤية واضحة تسمح بالتأثير في “الأيديولوجية” التي تخترقهم، تقدم بديلاً لهم تأسيساً على أنهم عرب، ومضطهدون، وأنهم يُستخدمون ضد العرب. إن التعامل مع هؤلاء كعرب أمر مهم في إعادة بناء هويتهم، وبالتالي إعادة ربطهم بتاريخهم، ومن ثم بمستقبلهم.

ثالثها الدولة الصهيونية ليست بمنأى عن الصراع الطبقي رغم كل المحاولات التي جرت من أجل تحويل المستوطنين إلى “كتلة متماسكة” في مواجهة العرب. وربما كان الدور المركزي للدولة في تكوين الاقتصاد والمجتمع أثر في خلق شكل ما من التماسك في مراحل نشوئها، لكن بعد أن استقرت أخذ اقتصادها يتشكل في تكوين “طبيعي”، وتراجع دور الدولة الاقتصادي لمصلحة اللبرلة. وبهذا تشكل الاقتصاد في إطار رأسمالي، لكنه متداخل مع الاقتصاد الإمبريالي ومتأثر به. لهذا زاد تمركز الثروة، واتسع التفاوت الطبقي، وظهرت حركة احتجاجات مختلفة. في الغالب يتخذ التفاوت شكل انقسام “إثني”، أي بني اليهود الغربيين واليهود الشرقيين (العرب)، لكنه يطال العرب الفلسطينيين كذلك. وهذا يعني أن بنية الاقتصاد الصهيوني تسمح بتفاقم الصراع الطبقي، رغم أن الأيديولوجية الصهيونية تحاول توحيد كل هؤلاء في إطار كتلة تخاف من محيطها، وبالتالي تجهد لمنع تفاقمه. لكن وضع الاقتصاد الذي يميل إلى المركزة العالية، وارتباطه بالاقتصاد الرأسمالي الذي يعاني من أزمة عميقة ومستعصية الحل، سوف يعزز من الميل نحو الاحتجاج، ويسمح بأن يتصاعد الصراع الطبقي، خصوصاً إذا حدثت أزمة جديدة في الاقتصاد العالمي. فإذا كانت أزمة سنة 2008 قد أدت إلى تراجع الصادرات إلى أهم منطقتين، وهما أميركا وأوروبا، فإن أي أزمة جديدة سوف تؤثر أكثر، وربما تنخر الاقتصاد الصهيوني ذاته.

هذا الوضع يشمل الأرض المحتلة سنة 1948، فهي المنطقة التي تشكّل بنية الاقتصاد للدولة الصهيونية،والتي تضم اليهود والعرب الفلسطينيين، ويتراكب فيها التمييز الطبقي. بينما يظهر وضع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة كوضع استعماري، وبالتالي تقوم علاقة استعمارية على صعيد الاقتصاد، حيث يظهر اقتصاد هاتين المنطقتين كاقتصاد تابع يخضع لنهب الرأسمال الصهيوني، خصوصاً في مجال احتكار السوق، وفرض الضرائب، والسيطرة على الأرض والمياه، وتدمير الاقتصاد المحلي. لهذا يظهر الصراع هنا كصراع وطني “خالص”، رغم أن الهيمنة الاقتصادية الصهيونية تفرض تعميم الإفقار في هاتين المنطقتين، وبالتالي تضافر الصراع الوطني مع وضع اقتصادي يدفع إلى التمرُّد.

رابعها يتعلق بعنصر مساند، حيث أن كون الدولة الصهيونية هي نتاج مشروع إمبريالي استعماري يجعل لشعوب العالم دور في التأثير في مسار الصراع، من خلال كبح دعم نظمها للدولة الصهيونية، ووقف تسليحها ومقاطعتها، وفي “حصار” الدولة الصهيونية عبر مقاطعتها، ودعم النضال من أجل إنهائها وتأسيس دولة علمانية ديمقراطية.

هذه مجمل تناقضات ممكنة التفجّر، بعضها قائم وبعضها ممكن، لكنها جميعاً تحتاج إلى فعل، إلى “إرادة ذاتية”، أي نشاط فعلي من أجل أن تتطور، وتصبح فاعلة. وفي كل ذلك لا يجب الانطلاق مما هو قائم فقط، بل بما يمكن أن يكون نتيجة وجود أسباب موضوعية تسمح بحدوث تحوّل أساسي. وهذا يطرح السؤال حول ماذا يمكن أن نفعل من أجل تطوير كل هذه التناقضات لكي تصبّ في مسار واحد يؤدي إلى إنهاء الدولة الصهيونية وإقامة فلسطين علمانية ديمقراطية ضمن دولة عربية موحدة.


سلامة كيلة: كيف تتحقق الدولة الواحدة؟ – مجلة رمان الثقافية 2018-05-21