One Secular Democratic State

تُصيبك خيبةٌ عظيمةٌ إذا أردتَ البحثَ بين المثقفين الماركسيين العرب، والذين يعتنقون الاشتراكية خيارا فكريا، على من انحازوا للثورات العربية التي نشبت في العام 2011، ولم يروْها مؤامرةً، ومن انتصروا لقيم الثورة السورية، وأنصفوها، واصطفّوا مع ناسِها وشهدائها، ونشطوا في تعرية جرائم حرب الإبادة التي ردّ بها النظام في دمشق على هتافات الثائرين بالحرية والانعتاق من الجوْر والفساد والاستبداد. ستُبادر فورا إلى إشهار اسم سلامة كيلة، ثم تتعب وقتا غير قليل، وأنت تفتّشُ عن أسماء مثقفين عربٍ آخرين من هذا السّمت النادر. وهذه مواقع التواصل الاجتماعي ضجّت، منذ رحيل هذا الماركسي النبيل، بحسب واحدةٍ من شمائله، ظهيرة أول من أمس الثلاثاء، بتعبيرات الأسى وفداحة الخسران على غيابه، أزجاها قراؤه قبل أصدقائه ومعارفه، إلا أنّ كتّابا وناشطين ماركسيين، وشيوعيين، من أهل اليسار العربي إيّاه، ضنّوا على الرجل بكلمة ودّ، ولو أمام جلال الموت، ما يعني نقصان الأخلاق لدى هؤلاء، وما يعني أيضا أنها شاسعةٌ مقاديرُ التباعد التي جعلت اليساري المحترم، والراديكالي حقا، في ضفّةٍ غير التي يقيم فيها هؤلاء، في ضفّة الدفاعِ عن الاستبداد، والتعميةِ على جرائم التمويت، والإزورار عن آلام الشعب السوري، والمطمئنّين لأوهامهم إيّاها عن الإرهاب، والإسلاميين، والثابتين على السذاجة الفلكلورية عن مؤامرة الربيع العربي، وما يُشابه هذه الأزعومة من رطاناتٍ، كان مفزِعا أن تردّدها أسماءٌ كانت لامعةً في إنتاجاتها وحضورها، وتنتصر لقوى الاستبداد والنظم العسكرية.
كانت مدهشةً في الكاتب الفلسطيني، السوري الروح، الأردني الموطن، العراقي المزاج، المصري الهوى، مواظبته على اشتراكيّته الجذرية، إلى الحدّ الذي جعلنا، بعض أصدقائه، نرميه بماركسيةٍ أرثوذكسية، من دون حقٍّ ربما، بل إنه انخرط في تأليف كتبٍ (كرّاساتٍ) في النظرية الماركسية (اللينينية)، صدورا عن قناعته بأن الأحزاب اليسارية العربية جاهلةٌ تماما بها، وأضرّت بها وبأهدافها. نشط بهمّةٍ، تبعث على إعجابٍ كثير، في إيضاح مضامين العدالة الاجتماعية مقرونةً بالحرية ومناهضة الاستبداد، باعتبار ذلك كله (وغيره) من القيم التي ينهض بها اليسار، وفي الطليعة منه اليسار ذو النزوع الاشتراكي، بل وذو المنطلقات الماركسية، متحرّرا من كل المقولات الكلاسيكية الرائجة عن تناقض الديمقراطية مع الماركسية. وفيما لم يوفّر جهدا في كشف السوْءات الثقيلة للإمبريالية الأميركية، فإنه أنفق جهدا موازيا في التأشير إلى “الإمبريالية الروسية” الراهنة، بتعبيره، في غير مقالةٍ وكتاب، ومنها كتابه “ثورة حقيقية.. منظور ماركسي للثورة السورية” (دار نون، راس الخيمة، 2014)، وفي مقدّمته أن روسيا أصبحت إمبريالية، وتتعامل مع العالم من منظور إمبريالي.
ومن مظاهر إعجابٍ كثيرة يستحقّها الصديق الراحل أنه، في إحدى زوايا النظر إلى نشاطه الخاص، بدا كأنه يزاول الكتابة بوصفها مهمّةً كفاحيةً، يؤدّيها عن قناعةٍ بمنظور وطني وخيار سياسي وانحياز فكري، وهذا ما يفسّر غزارة إنتاجه (نحو 30 كتابا)، في قضايا السياسة والفكر معا، على أرضيةٍ ماركسيةٍ لم يتخفّف منها يوما، يدلّ عليها عنوانا كتابيه “عودة إلى ماركس.. من أجل تخطّي الماركسيات الرائجة” (2017)، وقبله “فوضى الأفكار.. الماركسية وخيارات التطور” (2001)، وغيرهما. ولم يعمل سلامة في أي مهنةٍ أخرى، فكانت الكتابة في الصحافة، وإنجاز المؤلفات، مورد عيشِه، من دون أي تنازلٍ لاستحقاقاتٍ قد يتطلّبها هذا المنبر أو ذاك، ومن دون اعتبارٍ لحساباتٍ سوق النشر. وفي الأثناء، ظل ناشطا ميدانيا في تكتلاتٍ وتجمّعاتٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ وميدانيةٍ (بعد تجربةٍ حزبيةٍ عتيقة)، فلسطينية وسورية. وأقام على تواصلٍ مستمرٍّ مع شبابٍ كثيرين، أردنيين وفلسطينيين وسوريين و…، من حساسيّاتٍ متنوعة.
لا يُغْفَل عن أن الكاتب الراحل احتمل عذاب المرض الثقيل سنواتٍ، والذي كان من أسبابه التعذيبُ القاسي في سجون الأسد الأب والإبن، (وهو الأردني الجنسية الفلسطيني الأرومة)، إبّان إقامته سنواتٍ في دمشق. واحتمل ظروفا صعبة، وعيشا متقشّفا، فبدا أشبهَ بالنسّاك والزاهدين، فيما لم تفتُر عزيمتُه، مثقفا صاحب موقفٍ معلنٍ ضد كل تسلطٍ واستبدادٍ وإرهابٍ وفسادٍ وإفساد. وبذلك كله وغيره، تشتمل تجربة سلامة كيلة، إنسانا وكاتبا ومناضلا، على معانٍ غزيرة.

كان الكاتب الفلسطيني، سلامة كيلة، يزاول الكتابة بوصفها مهمةً كفاحيةً، يؤدّيها عن قناعة بمنظور وطني وخيار سياسي وانحياز فكري، وهذا ما يفسّر غزارة إنتاجه (نحو 30 كتابا)، في قضايا السياسة والفكر معا
”العربي الجديد” 2018-10-03