One Secular Democratic State

ودّعنا جسد سلامة كيلة الأسبوع الماضي، بعد صراع مرير وطويل مع المرض، وترك إرثا كبيرا من الفكر والكتابات التي تنير درب الحرية في وطننا العربي، فقد عرف بتبنيّه قضايا المسحوقين والضعفاء في الدول العربية؛ من فلسطين وسورية ومصر والعراق والمغرب واليمن…، كما عرف بثقته بحتمية انتصار الغضب الشعبي والتغيير الثوري بسواعد الفقراء والمظلومين والمهمشّين، وهو ما سوف يؤسس لمرحلة جديدة، مرحلة إعادة بناء مجتمعاتنا ودولنا، وهزيمة الاستبداد والطغيان والاستعمار المباشر وغير المباشر، فدائما ما أعلن سلامة أن معركة الشعب العربي واحدة في مواجهة جميع قوى الاستبداد والطغيان المحلية وقوى الاستعمار والنهب الخارجية كذلك.
منذ لقائي الأول بسلامة كيلة قبل ثمانية عشر عاما، لمست ثقته بحتمية الثورة الشعبية، وإنْ طال الزمن، الثورة التي جهد من أجل مساعدتها على شق طريق الحرية والعدالة والمساواة، وهو ما قضى آخر أيامه من أجله أيضاً. ثقة مبنية على تحليل الواقع العربي العام والخاص وتفكيكه، الأمر الذي جعل هذا المفكر العربي من الأصوات القليلة التي تعي وتدرك جيداً الأسباب التي تعيق انفجار الثورات الشعبية، وهو ما مكّنه، وساعد كل من تواصل معه على فهم الشعوب وآليات حركتها، فالثورة، وفقاً لسلامة، عملية تراكم معرفية، تتصدّى لمسارٍ طويلٍ من الظلم والسحق، يصل إلى درجةٍ من التغول، تجعل المواطن البسيط يوقن أن ثمن مواجهة الأنظمة المستبدّة والمجرمة لن يكون أقسى وأصعب من ثمن الانصياع والخضوع لجبروتها ونهبها واستغلالها، فالموت واحدٌ في الحالتين.
وقد يختلف بعضهم أو كثيرون مع منهجية سلامة كيلة وأفكاره، وهو حق لأي شخص، ولكن

يصعب لأي وطني حر أن يختلف مع مواقفه السياسية الآنية والتاريخية، بل على العكس، فقد أثبتت هذه الأيام صحّة كثير من مواقفه التاريخية المبدئية التي بقيت ثابتة، مهما كانت الظروف والأوضاع، ومنها إصراره على طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي التناحرية، على الرغم من انهيار حركة التحرر العربية والفلسطينية، وعلى الرغم من كل الأصوات التي تهجمت على رافضي البرنامج المرحلي، ورافضي “أوسلو”، أمثال سلامة الذي اعتبر تحرير فلسطين نتيجة حتمية لاستعادة الشعوب العربية حقوقها وحريتها من أنظمة الاستبداد والنهب القائمة اليوم، وبالتالي لانتصار الثورات الشعبية العربية. وفلسطين بالنسبة له هي كامل فلسطين من دون مساومات أو تنازلات. وعليه فالصراع عسكري وثقافي واقتصادي وسياسي، والهدف واضح لا بديل عنه، إقامة الدولة الفلسطينية العلمانية الواحدة على كامل التراب الفلسطيني، على أنقاض الصهيونية ومؤسساتها الثقافية والسياسية والأمنية والعسكرية، دولة تحمي جميع مواطنيها، بغض النظر عن العرق والدين، فالهدف ثابت، وإن كان مستحيلا في الأمد المنظور، لكنه واقع حتمي مستقبلا، انطلاقا من تحليل طبيعة الكيان الغاصب، ومن تحديد أهداف شعوب المنطقة وتطلعاتها ومصلحتها، لذا علينا التمسّك به، والاستعداد من أجل اقتناص لحظة تغيير الواقع المقبلة لا محالة بجهودنا وجهود جميع الأحرار والوطنيين القابضين على جمر الواقع الأليم.
ولهذا الغرض، كتب سلامة كيلة مئات الصفحات التي تنقد ثبات الواقع وتنفي هذا الثبات، منتهجاً أدوات التحليل العلمي والماركسي في تفكيك الواقع وفهمه، بهدف تغييره طبعا، فالفكر والفلسفة الماركسية الحقيقية، وفقاً لسلامة، هي التي تسعى إلى تغيير الواقع، وتعمل على الانطلاق نحو مجتمعٍ أفضل تسوده قيم العدالة والحرية، لا التي تعمل على التقولب مع الواقع والتعايش معه؛ وترسخ الظلم والاستبداد تحت عناوين كثيرة؛ مثل الواقعية السياسية التي برّرت استبداد الأنظمة العربية وإجرامها، كما برّرت استسلام أنظمة أخرى وخيانتها. ولنا في مواقفه في كل من القضيتين السورية والفلسطينية خير مثالٍ على منهجيته العلمية والماركسية، وعلى جذرية مواقفه الآنية والتاريخية وثوريتها.
حيث يعلم كل من قرأ له، أو تحدّث معه، حقيقة مواقفه من الأنظمة الاستبدادية، بما فيها التي ادعت الاشتراكية والعداء للصهيونية، وأهمها النظام السوري الذي اعتقله ثماني سنوات في عهد حافظ الأسد، وتبعها اعتقال ثان قصير نسبيا، تبعه إبعادٌ إلى الأردن، بعد الثورة التي تبنّاها، والتصق بها منذ يومها الأول في عهد الأسد الابن، الثورة التي رفعت وإياه في أكثر من موقع شعار “من أجل تحرير فلسطين نريد إسقاط النظام”. ولم ينخدع مثل كثيرين غيره بالشعارات الكاذبة التي روّجها نظام الأسد منذ السبعينيات، انطلاقا من آليات التحليل العلمية التي ينتهجها، وعمل على نشرها في كتبه وكرّاساته، الفلسفية والسياسية، فقد آمن بترابط العلوم، ما حول كتبه ومقالاته إلى مزيج من السياسة والفلسفة الماركسية، فالأخيرة هي الأداة التي يستخدمها في تحليل الواقع، وهو ما يبرزه بكل اقتدار، على أمل أن نتمكّن، نحن أيضاً، من تفكيك الواقع وتحليله بشكل علمي من بعده.
ولعل من أهم قيمه أنه لم يحتكر المعرفة التي يمتلكها، بل عمل على نشرها بكل الإمكانات الجسدية والمادية التي يمتلكها، الأمر الذي جعله من المفكرين القلائل الملتصقين بالشارع

 والشباب الثائر عموما، في زمني الركود والتحولات الثورية، من سورية إلى مصر، ومن لبنان إلى تونس، ومن المغرب إلى الأردن، فحياة سلامة تشبه مسار المكوك الذي يسابق الزمن، من أجل نثر علومه ومعارفه، وتلمس معاناة الشعوب التي تصوّبه وتمنحه من علمها ومعرفتها العملية، فالتجربة والممارسة العملية هي المعلم الأهم، وفقاً له. لذا لم يكن منعزلاً في منزله يطالع الكتب والمجلات فقط، بل كان جزءا مهماً من النضال الشعبي في كل الدول العربية التي تمكّن من زيارتها. وقد دفع ثمن نضاله غاليا في سجون الاستبداد الأسدية، كما دفع ثمنه إبعاداً عن وطنه الأم فلسطين إلى الأردن. وقد أهلك هذا الثمن جسده النحيل، وكان سببا في مرضه ومعاناته الصحية. لكن وعلى الرغم من كل شيء، بقي سلامة مخلصاً لأفكاره وشديد الالتصاق بقضايا المظلومين، وجزءاً من نضالهم الدائم، بالتوازي مع صراعه الطويل والمرير مع مرض السرطان، الذي لم يتمكّن من سلامة، المفكر والمناضل الماركسي والثوري العربي، لكنه وللأسف قد تمكّن من جسده، وأرغمه على الرحيل عنا، كما أرغمته أنظمة الاستبداد والاحتلال على الرحيل عن فلسطين وسورية التي سكنته، كما سكنها.
في النهاية، تعجز الكلمات عن وصف حجم القهر والحزن الناجم عن فقدانك رفيقا وصديقا وأخا وأبا ومعلما، وعن حجم الغضب والسخط على كل الأسباب الخارجة عن إرادتي ومشيئتي التي حالت دون لقائك منذ ترحيلك من سورية، كما كانت عادتنا. لكنك ستبقى صوت المظلومين والمقهورين، صوت الحق الهادر، رغماً عن جموع الاستبداد والإجرام القائمة اليوم، بفعل كتاباتك وإرثك الفكري والمعرفي الذي نثرته أينما حللت.


لم يكن الكاتب الفلسطيني، سلامة كيلة، منعزلاً في منزله يطالع الكتب والمجلات، بل كان جزءا من النضال الشعبي في الدول العربية التي تمكّن من زيارتها. وقد دفع الثمن غاليا في سجون الاستبداد الأسدية.
”العربي الجديد” 2018-10-07

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2018/10/7/%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%83%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%B5%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82-%D9%84%D9%86-%D9%8A%D9%85%D9%88%D8%AA-1