One Secular Democratic State

في زمن مولع بالفقد كقيمة لا تزال خارج حدود اللبرلة والاستهلاك، على الأقل في جزء منها (الجزء الخارج عن التسليع)، تبدو الكتابة عما/عمن فقدنا نوعًا من الرحلة التطهرية، أو هكذا نقدمها لأنفسنا (نقدم أنفسنا من خلالها!، ثمة تلاعب لغوي مخيف هاهنا، يبتلع ما لنا في التجربة) إلا أنها في وجه منها كتابة عما امتلكناه مما/ممن فقدنا، وفي وجه آخر تقديس لإسكات ما ملكه الفقد/الفقيد/المفقود منّا. ولهذا فالموت لم يكن يومًا سؤال/أزمة الموتى، بقدر ما هو للأحياء.

لم أتنبه لهذه الثنائية إلا مؤخرًا، أو لعلها  استوقفني بالتراكم بداية من باسل الأعرج وخالد بكراوي وصولًا إلى سلامة كيلة، وما صاحب هذا الفقدان الأخير -إلى الآن- من مشاهد رمزية وسوريالية، دفعتني لتأمل الفقد بدرجة أكبر مما فعلت مسبقًا وبعينٍ مختلة لم تتح لي لولا سلامة الذي يصر أن يمنحني على الدوام شيئًا جديدًا.

سأحكي القصة من مواقع مختلفة، فلا أملك شجاعة الحديث عن الفقد وسط كل هذا الحضور الطاغي.

لقائي الأول مع سلامة ككائن من لحمٍ ودم، كان في وسط أحداث الثورة المصريّة، وفي أكثر ميادينها حسمًا مع المعنى والمأسسة والدولة الهويّة المهووسة بتحويلنا إلى مسوخ الهوية، في أحداث ما عُرف بمواجهات “شارع محمد محمود”، ضد وزارة الداخلية المصرية. ثمة عتبة للمعنى في زمان ومكان هذا اللقاء لم أستطع استيعابها إلا بفقد سلامة، مسامنا لا تتفتح إلا بالفقد، أتراه هكذا حاول أو يخبرني، وهو ما لم أستطع إخباره إياه في وجهه. طلّ عليّ وجهه الأبيض البسيط من بين دخان قنابل الغاز المسيل للدموع وصراخ الثوار والثائرات. طل باسمًا ضاحكًا وكأنه استشراف لزخم التضاد الذي بعثرته الثورات العربية في تندر جميل وبذخ، في محاولة منها لمساعدتنا على كسر الهرمية والامتداد الجغرافي في الوعي لكل تلك الثنائيات الصنمية، كأن الأمر دعوة صريحة لانهيار الحدود والمباني المعنوية التي انبنت لأجيال، على يد جيل ديناصوري يصر على هدر حقنا حتى في الهزيمة وليس فقط النصر والثورة، جيل كان سلامة منه. لم أستوعب تبسمه، أو لعلني أصدق نفسي -المكتوبة هاهنا- حين أعترف أنني لم أكن أعرفه شخصيًا، حينها عرفني عليه صديقي الأثير فادي عميرة، كنت قد قرأت سلامة، أو بالأصح اشتبكت مع ذاته المكتوبة قبلًا، لكن ليس شخصه.

ذهبنا بعدها إلى إحدى مقاهي منطقة وسط البلد. القاهرة كما تقول إحدى شخصيّات فيلم “آخر أيام المدينة” تعطينا كمًا هائلًا من الصور (الكادرات) الجميلة، كل واحدة منها تستحق وقفة وتأملًا، لكن القاهرة مليئة وضاجة ومنتفخة بتلك الصور، تعطيك إياها بإفراط، حتى لتكاد تحس بـ”الضجيج”، فلا تعود قادرًا على الرؤية، لكن أي رؤية؟، فـ”كلما اتسعت الرؤية؛ ضاقت العبارة” هكذا تكلم النفري، وهكذا تمثل سلامة. ثمة هدوء وسكينة في تعامله مع هذا الضجيج، المضرج بالدماء والأمل حينها. منذ أيام فقط، نعاه أحد رفاقه السابقين في سجون الأسد-الأب  (لعنه السماء على روح المذكور)، قائلًا: “كان هدوء سلامة سلاحه الأقوى في وجه معذبيه”، هذا الهدوء في وجه الضجيج لا بد أنه له قوة ما لكسر صلابة المشهد وتهديد السلطات، سلطة المعنى والهوية.

من أين له بكل هذا الهدوء في وجه كل هذا الضجيج وما يثيره فينا؟ من بعد لقائنا الأول، وأنا ممسوس بهذا السؤال الذي لاحق سلامة في كل زاوية سار إليها في عقلي، فاندفعتُ لاكتشاف الأمر مصادفة على غير قصدٍ مني، (أو بقصدٍ لم أتبينه كما هو الآن جليٌ في المعنى والذاكرة بسبب طقوس الفقد في الكتابة عن سلامة، باعتبارها طقسًا نكتب فيه ذواتنا بآثار من فقدنا)، فكان أن تعاونّا في مشروع لتوثيق تجربة السجن والاعتقال في زمن دولة مبارك في مصر، وهو المشروع الذي لم يكتمل، لأن فصائل الإسلام السياسي حينها، والتي كانت على الدوام رديفة الدولة – المؤسسة في المعنى، كانت تهادن الدولة العميقة في محاولة منها لاكتساب معنى سياسي وليس ثوري، كما أخبرني سلامة، بضحكته الراسخة في الهدوء بعد ذلك.

كنت أتسائل في ظل سلامة دائمًا: كيف لكل هذا الهدوء أن يزلل ويفكك كل هذا الميراث من الخوف والضجيج؟ سلامة خضع لقانون أخلاقي بسيط: فما فوق المحسوس لديه هو في صلب طبيعتنا، وإن كان غير محسوس، إنه فكرة، كما يقول كانط: “غير معطاة تجريبيًا، لكنها مع ذلك ممكنة بواسطة الحرية”، ما يجعل “معنى الأنا هو معنى فريد في كل مرة” (بول ريكور). ولأتأمل هذا الأثر ولو قليلًا: سؤال الأنا لدى سلامة ليس إلا شكل من أشكال ممارسة الأنا بفرادة وحرية في كل مرة يواجه فيها المعنى.
وللنظر إلى تجربة الاعتقال في سوريا مرتين، ومن ثم الطرد، والمغامرة في القاهرة في مواجهة دولة لا تختلف من حيث عنف السياسات كثيرًا، وحتى في موته: رفضت سلطة الاحتلال السماح بدفن جثمانه في مسقط رأسه؛ بير زيت، هو كأي فلسطيني (وأي سوري الآن) حيث يكون الموت والحياة ممرات لتكوين معنى مختلف وفريد وحر للأنا.

الدفن والسخرية

يقترح علينا جيل دولوز أن نتحلى ببعض السخريّة من حدودنا الهوياتيّة، يقول: “إن السخرية ذاتها كثرة، أو بالأحرى فن الكثرات”، ويكمل: “يجب ألا تمتلك عناصر الكثرة شكلًا حسيًّا ولا دلالة مفهومية [..] بهذا المعنى هي لا تتضمن أيّة هوية قائمة مسبقًا، أية وضعية لشيء يمكن القول إنه الـ “عينه/هو”، بل على النقيض من ذلك، يجعل لا تعينها ظهور الاختلاف ممكنًا بما أنه متحرر من كل خضوع”.

مشهد دفن سلامة هو مشهد ليس فقط سورياليًا في عالم ما عاد السوريالية كافية لتعرّيه، إنما هو أيضًا مشهد ساخر واختلافي (اختلاقي) بالمعنى الدولوزي للهوية. فسلامة المسيحي الأصل، أسلم لداعي بيروقراطية الزواج الإسلامي، وحين غادرنا كفنته عائلته على الطريقة المسيحية، وما أن جاؤوا لدفنه في المقابر المسيحية، لم يتمكنوا لأنه مسجل باعتباره مسلمًا، فاضطروا للذهاب به إلى مقابر المسلمين، وهناك كان المشهد كاشفًا، تابوت وسلامة جورج كيلة بين المسلمين، وعائلته المسيحية تودعه بطقوس مسيحية في فضاء معنوي مسلم.

هذا المشهد الذي بناه كيلة والموت والمعنى يدًا بيد، يدفع بنا إلى تأمل العلاقة بين: الهوية والماهية والحق في الاختلاف/السخرية (بالمنطق الدولوزي)، إذ أن سؤال ”ما هو؟” هنا ليس صالحًا لفهم هويتنا، ربما يكون قادرًا على الحفر في منطقة “المشكل”، وهي في حالة سلامة هاهنا، مشهد الدفن المسيحي في مقابل الإسلامي، وما بينهما من مأسسة، لكنه لا يستطيع أن ينتج الحدث الحيوي الحر؛ وهو التفاضل المناسب لفرادتنا الإنسانية والفكرية. علينا أن نكثر -كما دفع بنا سلامة- من أسئلة الاختلاف: كم، كيف، في أية حالة، لماذا، من، وأسئلة الاختلاف تلك ليست أسئلة هويّاتية بل أسئلة “تقويمية”، أي أن هدفها هو “تكثيف الفرادات”، الفرادات التي تتمظهر في أشكال مختلفة منها السخرية.

السؤال التقويمي للفرادة الإنسانية، فرادة سلامة، وفرادة خالد وفرادة باسل وفرادة إسراء الجعابيص وغيرهم/ن الكثير، هو سؤال سيرورة، سيرورة المعنى، معنى الثورة والمقاومة. ولعل الثورة تبدو، للوهلة الأولى، كشخصٍ لا نعرفه من قبل، لكنها ليست “حدثًا” مباغتًا إلا لمن ينظر/تنظر إليها بوصفها مجرد “حدث” له بداية ونهاية؛ أي وقوع ما لم يقع من قبل. والحال أن الثورة ليست “حدثًا”، بل هي عملية/سيرورة انتقال مثيرة إلى الفعل التراكمي الكبير للشعوب. والشعوب عادةً لا تفعل، إنما يُفعل بها، وهي تكتفي غالبًا بحياة كسولة وانفعاليّة، ضمن أشكال خطابيّة مُعيّنة من خارجها كـ”الاستقرار” و”الأمن”، أو “الحياة العاديّة”. الثورة، بما أنها عملية استعادة السيطرة على جهاز إنتاج المعنى (والهويّة شكل من أشكال المعنى، وبالتالي الهويّة يجب أن تكون ممارسة ثوريّة، كما كانت في حالة سلامة)، فهي – الثورة- ليست “حدثًا”، إنما عملية وسيرورة، كذلك الهويّة. فالمعنى ليس حدثًا إلا إذا انقطع عن/من سياقه، والحراك التاريخي الثوري العربي لم ينقطع بعد عن سياقه.

في الفعل الثوري -وليس الحدث الثوري- تتراكم فرادات الـ “نحن” الثائرة باعتبارها ممارسة وعملية تراكم للهويّة، أيّ أنها إمكان مستمر للنحن، وليست ضميرًا لأحد (رئيس/قائد/محرر/مناضل) أو لجماعة (حزب/عسكر/جماعة) أو لـ”حدثٍ” ما. بمقدار ما نمارس الثورة واستعادة الحق في تكوين المعنى بمقدار ما نملك “الحق في هويّتـ”(نا)، والذي لا يقل أهميّة عن “الهويّة” ذاتها.

أو لعل الأمل الذي زرعه فينا سلامة هو سلاحنا ضد هذا القلق الوجودي الذي تبنيه الأنظمة العربية (والاحتلال) باعتباره نقيضًا لثنائيتها: أنا أو الفوضى والموت. فالأمل هو فرجات تأويليّة في مفاهيم وآليات إنتاج المعنى، ومقاومة استبدادها الرمزي. وامتلاك الأمل يتضمن -مبدئيًا- امتلاك الحق في معنى خاص تتحكم فيه “الذات”، أي الحق في كتابة نفسها. فالأمل في الثورات العربيّة هو الذي يُخرج “الوطن” كمفهوم من حدود طمأنينته -الكاذبة- باعتباره حالة كسل روحي في الثقافة. يقول نيتشه عن العقول الكبيرة لعصره: “هم قد انتموا إلى (الأوطان)؛ فإنهم لم يرتاحوا إذ أصبحوا (وطنيين)، إلا من أنفسهم”.


https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5073