One Secular Democratic State

في الساعات الطويلة والثقيلة التي تلت سماعي خبر وفاة الكاتب والمفكر الفلسطيني – السوري سلامة كيلة، وفي محاولة عسيرة منّي لتقبّل غيابه، تساءلت في سري: هل سيكون الموت راحة له؟، خصوصاً بعد أن تعب من يوميات الشتات والعذاب الذي لقيه في الحياة من تهجير من مسقط رأسه في فلسطين مروراً باعتقاله لمدة ثماني سنوات في السجون السورية، البلد الذي اعتبره وطنه الثاني، واعتقاله مرة أخرى فيها وطرده منها في العام 2012 بسبب موقفه المؤيد للثورة السورية، وصولاً إلى الصراع الطويل مع مرض السرطان.

ربما يكون الموت راحة، لكن سلامة لم يكن يرغب في الموت الآن. هو حسم أمره سابقاً فيما يخص الخوف من الموت ببساطة شديدة، حين قال: «ما فائدة الخوف من الموت».

لم تستعد ذاكرتي بطريقة ميكانيكية لقائي الأول معه. استعدت مباشرة لقائي الثاني معه في منتصف العام 2014 في القاهرة. قررت في مساء أحد الأيام التسكع في شوارع وسط البلد، وكنت في مزاج سيء ومشتت الذهن. عندما تعبت من المشي دخلت إلى أقرب مقهى في طريقي. جلست قرب إحدى الطاولات. تلفتّ حولي متأملاً الجالسين، وعندما ألتفت إلى الطاولة التي على الجانب الأيمن من طاولتي لمحت سلامة كيلة بصحبة عشرة أشخاص أو أكثر. لم ينتبه إليّ وتوقعت أنه في حال لمحني لن يعرفني. إذ أن لقاء التعارف الأول كان عابرًا وقد مضى عليه ثلاثة أشهر، واحتمال كبير أنه نسي لقاءنا. توقفت عن النظر نحوه وغرقت في حالة من الشرود. بعد مضي عشر دقائق وجدت سلامة واقفاً فوق رأسي مباشرة. قال لي بعد أن ألقى التحية ممازحًا: ”شبك؟ يعني باقيلك شوي وبتبكي“، رددت عليه بأن لا يشغل باله، وأنه ليس هنالك شيء مهم. لكن المفاجأة كانت بالنسبة لي أنه ذهب إلى أصدقائه الذين كان بصحبتهم وأستأذن منهم ليجلس معي. مؤكداً لهم أن هنالك موعدًا مسبقًا بيننا. لم أصدق ما فعله. يعتذر عن جلسة مع كتيبة من الأصدقاء ليجلس مع شاب التقى به مرة واحدة منذ ثلاثة أشهر؟

كان سلامة لديه الفضول لمعرفة كيف ولماذا غادرتُ سوريا وأتيت إلى مصر. بعد أن حكيت التفاصيل باختصار أخبرني أن حالة الشتات وصدمة الخروج من البلد ما زالت آثارها واضحة. لكنه بدأ يتحدث عن جوانب كثيرة إيجابية من الممكن أن أستفيد منها أثناء وجودي ببلد عربي مثل مصر في اللحظة الراهنة، وأن تأمل التغيرّات الاجتماعية والسياسية انطلاقًا من الانخراط في الحياة اليومية في الشارع المصري قد يثقل خبرتي أكثر بكثير من العيش في حالة الانعزال عن المكان، بصفته مكانًا أُجبرنا على التواجد فيه. وعلى الرغم من أنني لم أكن أعيش حالة عزلة عن الواقع، وعن الشارع المصري بهمومه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وقتها، إلا أن نصيحة سلامة كانت بالنسبة لي مدخلًا لفهم أسلوب حياته ونظرته إلى الواقع.

لم أكن وقتها قد قرأت لسلامة كيلة سوى كتابه الأول عن الثورة السورية «الثورة السورية، واقعها، صيرورتها وآفاقها»، الصادر في العام 2012 عن «دار أطلس- بيروت»، وكنت  حصلت على نسخة من كتابه الصادر حديثًا آنذاك «ثورة حقيقية- منظور ماركسي للثورة السورية» عن «دار نون» (2014)، أما باقي القضايا والأفكار التي تشغل سلامة؛ من نقد لليسار العربي والعالمي وتأملاته حول الماركسية في الوقت الراهن على سبيل المثال، وغيرها من المواضيع، فكنت أتابع رأيه فيها من خلال مقالاته المنشورة في الصحف والمجلات العربية من وقت إلى آخر.

ورغم أن معرفتي بسلامة كيلة بدأت تتطور لتصبح صداقة، ولقاءاتنا أصبحت تتكرر. في كل أسبوع أو أسبوعين نلتقي إما في منزله أو على مقهى في وسط البلد، إلا أنني لم أعلم بإصابته بمرض السرطان ونجاته في مرحلة من مراحل حياته، إلا حين بدأت تداعياته تعود إليه في السنوات الأخيرة. حتى أنه كان يبذل مجهودًا كبيرًا كي لا يفتح موضوع مرضه. وعندما أسأله إن كانت صحته جيدة أم لا، يكتفي بالقول أنه متعب قليلًا لكن صحته ستتحسن عما قريب. لكن التحليل الأدق لمقاومة سلامة كيلة لمرضه، نابع من أنه دائم الانشغال بمشاريع جديدة في الحياة أو الاشتغال على كتاب جديد. هذا عدا عن مقالاته الأسبوعية وأضف إلى ذلك نظام يومه المكثف من قراءة للصحف اليومية والكتب ولقاء الأصدقاء في الليل. وعلى الرغم من وعيه بالاهتمام بصحته، إلا أنه كان يقاوم فكرة أن ينشغل بمرضه، ويكون سبباً بتشتيت ذهنه.

***

في فترة معينة من صداقتي مع سلامة اعتقدت أنه غير مهتم بالاطلاع على حقول معرفية بعيدة عن اختصاصه، لكن سرعان ما اكتشفت العكس. كان حريصًا على اقتناء وقراءة أعمال أدبية لكتاب كبار من مجايليه أو كتاب شباب، عدا قراءته الشعر.

في إحدى دورات معرض القاهرة للكتاب، كنت بصحبته، عندما توقفنا في أحد الأجنحة، ليلقي السلام على الناشرة، وكان بجناح الدار حفل توقيع لشاعر شاب لا يعرفه سلامة ولا الشاعر يعرف سلامة. فما كان من سلامة إلا أن أشترى نسخة من ديوانه وطلب منه بكل تواضع أن يوقع له نسخته، حتى أن سلامة عرف عن نفسه باختصار شديد«أنا سلامة كيلة – كاتب فلسطيني».

سألته ممازحًا: «ما كنت بعرف إنه عندك اهتمامات أدبية» فأجابني: «ومين قلك هالحكي؟ كان عندي بشبابي محاولات شعرية، وبفترة السجن كتبت رواية، بس ما خلصتها، وتركتها بعدين».

بعدها بقيت أطلب من سلامة بإلحاح، أن يطلعني على مسودة الرواية غير المكتملة، إلا أنه كان دائمًا يتحجج إما بأنها ضائعة، أو أنها غير موجودة في بيته بالقاهرة.

***

عندما شاع خبر وفاة سلامة كيلة، أغلب الكتابات التي نعته أجمعت على شخصيته المتواضعة وطيبته وصدقه ووضوح مواقفه.

قلة من الكتّاب والمفكرين، ممن ترى فيهم هذا الاتساق والتشابه بين ما ينتجونه من أفكار وآراء وبين شخصياتهم وأساليب حياتهم على أرض الواقع. كان كيلة يعيش كما يكتب تمامًا. على مدار صداقة ومعرفة دامت خمسة أعوام، لم أره يعامل أحد بفوقية أو استعلاء أو طبقية، كان يتعامل مع أبسط شخص يلتقيه بالشارع بتواضع واحترام ومستعد أن يفتح نقاشًا ودّيًا حتى مع من يختلف اختلافًا جذريًا مع أفكاره ومواقفه. في إحدى زيارتي إلى منزله، سألته من أين أشترى طبق الحلويات السورية، الذي ضيفني منه؟ فأجابني أنه أشتراه من شاب سوري تعرّف عليه مؤخرًا يشتري بعض المنتجات السورية بسعر الجملة من مدينة السادس من أكتوبر ويبيعها على أحد الأرصفة في حي المنيرة حيث يقع منزل سلامة. وفي نفس الجلسة سيحكي لي قصة الشاب الذي سيصبح بعد ذلك صديقه أيضًا.

لعل التواضع والبساطة عندما تكون صفة أساسية بشخص ما، نادرة في هذه الأيام، وعندما تكون هذه الصفات ملتصقة بمثقف من حجم سلامة كيلة، لا تستحق التقدير فقط بل تستحق التأمل، إلا أنها أضرّته أكثر ما أفادته داخل بعض الأوساط الثقافية العربية.

إذ أن بعض المثقفين العرب، يتعاملون باستخفاف مع نتاجه الفكري والبحثي انطلاقًا من شخصيته المتواضعة وبساطته بالتعامل، واحتكاكه بجميع شرائح المجتمع. فقط في مجتمعاتنا تقل قيمة كاتب أو مفكر أو باحث، عندما يصادق ويجالس أناسًا عاديين. إذ أن الدارج في الأوساط الثقافية في عالمنا، أن يتمتع الكاتب أو المفكر؛ بالقليل أو الكثير من النرجسية التي من الممكن أن تحمي صورته كمثقف. حتى أن سلامة كيلة لم يستعن بحكمة محمود درويش «كن نرجسيًا إن لزم الأمر». لم يكن يولي اهتمامًا لأي هجوم أو نقد يوجه لشخصه، لكنه كان دائمًا مستعدًا لأن يدافع عن الأفكار والقيم والمواقف التي يؤمن بها حتى آخر نفس.

تزامن رحيل سلامة كيلة مع بداية فصل الخريف، الفصل الذي يفضّل قضاءه في القاهرة. لأن الشمس في هذه المدينة نادرًا ما تحجبها الغيوم، حتى في فصلها البارد


https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5068

Categories: تحليل