One Secular Democratic State

أكثر ما كان يلفتني في شخصيته قدرتُه على التسامح، واستعادة التواصل مع من سبّب له الأذى، أو قاطعه لخلافٍ في الرأي السياسي. كان هؤلاء يتجنّبون السلام عليه ومقابلته، إذا ما صادفوه في مكانٍ ما، فكان يذهب بنفسه إليهم، ويلقي عليهم التحية، وكأن الخلاف الذي حدث صار في طي النسيان، أو كأنه لم يحدُث إطلاقاً، قال لي مرة ردا على سؤالي له عن هذا الأمر: “ليس أن الخلاف لا يفسد للود قضية فقط، بل إن لم نختلف مع الآخرين حول أفكارٍ كثيرة، خصوصا بعد الثورات العربية، فهذا يعني أن رغبتنا بالتغيير ليست جذرية، مجرد ادّعاء أو موجة نركبها”..
هذه الروح الفاعلة والمنفعلة لدى سلامة كيلة جعلت منه أحد القلّة الذين ظلوا محافظين على تفاؤلهم بحدوث تغييرٍ عميق في بلادنا، وبانتصار أهداف الثورات العربية، على الرغم من كل ما حدث ويحدث من كوارث في بلاد الثورات، كان سلامة يرى، بحسّه الماركسي العميق، أن الشعوب لا تموت أبدا، ومتى بدأت بالحركة نحو التغيير ستستمر مهما مر عليها من زمن، ومهما طاولَها من الأذيّة، ومهما بلغت ارتكاساتُها من الخطورة والتّشعب.
من يعرف سلامة كيلة، أو يتابع ما يكتبه في الصحافة العربية، أو قرأ بعض كتبه التي تجاوزت الثلاثين، سينتبه إلى أنه من فلسطينيين قلة، جعلت منهم عدالة القضية الفلسطينية، وما لاقته من هزائم ونكسات ونكبات وخيبات، يطلبون العدالة لجميع الشعوب المسحوقة. لم يُصب سلامة بشوفينيةٍ قُطريةٍ أو قوميةٍ يوما، ولا بمظلوميةٍ فلسطينية، أصابت غالبية القوميين العرب، والفلسطينين منهم خصوصا. كان مؤمنا بأن قضية فلسطين لن تحلّ طالما هناك أنظمة استبدادية تحكم بلاد العرب. كان مؤمنا بأن وجود إسرائيل مرتبط عضويا بوجود هذه الأنظمة، وأن البوصلة الحقيقية هي بتغيير كامل المنظومة السياسية العربية، بشقّيها، العسكري الأمني والإجتماعي الديني، فبالنسبة له، على عكس كثير من اليسار العربي الحالي، كان يؤمن بأن ما يقال عن تخلف الشعوب العربية، الذي يقف عائقا أمام إنجاز تغيير حقيقي، سبُبه أنظمة الاستبداد، وأن الحل هو ثوراتٌ سلميةٌ شعبيةٌ تطاول عمق هذه الأنظمة، وهو ما جعله مختلفا عن غالبية اليسار العربي الذي تم اختباره في السنوات الثماني الأخيرة، ولا سيما بما يخصّ الثورة السورية، وهي تعرّي جميع الإيديولوجيات من أوراق التوت الواهية التي كانت تغطّيها.
تعرّفت إلى سلامة، بشكل شخصي، في دمشق قبل سنوات طويلة، في قهوة الروضة. التقينا في السنة الأولى للثورة كثيرا، حين كنّا في دمشق جميعا، كنت أدهش دائما من طاقته المذهلة على التفكير بصوابيةٍ عالية، وعلى الحديث والنقاش، على الرغم من مرضه الطويل. لم أسمعه يوما يتاجر بسنين اعتقاله الثماني في معتقلات النظام السوري، وكأن الاعتقال الطويل مصير طبيعي لمن هو مثله. وبعد ترحيله من سورية عقب اعتقاله في أثناء الثورة، استقرّ في عمّان ثم القاهرة، حيث اخترت أن أعيش أنا أيضا. سألته يوما لماذا لا يعيش في عمّان، فجنسيته أردنية، قال لي: القاهرة أكثر حيوية على الصعيد العام، وتتناسب مع دخلي القليل.. كانت لي الأسباب نفسها لوجودي في القاهرة، غير أنه كان أكثر حريةً منا جميعا، نحن أصدقاءه السوريين والمصريين والعرب، بالحركة من مصر وإليها، إذ يمنحه جواز سفره الأردني هذه الحرية، لكن هذا الجواز لم يمنع عنه يوما أن يُعتقل في سورية، ويعذّب في المعتقلات كأي سوريٍّ معارض، ولم يتح له الحصول على تصريح إسرائيلي لزيارة مسقط رأسه ( بير زيت) في فلسطين التي طالما تحدّث عنها بغصّة الحرمان الطويل، قبل أن تُضاف دمشق إلى لائحة الغصّات المتلاحقة.
رحل سلامة كيلة قبل أيام في عمّان، حيث كان يقيم في منزله هناك، وفي رحلة علاج، تاركا بيته في القاهرة في منطقة المنيرة، كما هو، بكتبه وأدويته وملابسه وأوراقه، وبطبخة المجدرة الشهيرة التي كان يطهوها لأصدقائه الذين يتوافدون إليه، باحثين عن مساحةٍ من التفاؤل في وسط هذا الظلام، قليلون جدا من كانوا يملكونها، كما يملكها ويوزعها علينا نحن أصدقاءه، كلما شعر بيأسنا وفقداننا أي أمل ممكن.. في آخر مكالمة بيني وبينه قبل أسبوع من رحيله، قال لي “سنعود قريبا إلى دمشق، بعد معرض الكتاب في القاهرة، ربما نعود، نحن والأصدقاء القادمون من دمشق، (خليكي متفائلة)”!
لا أعرف إن كانت روحه الآن تحلق بشفافيةٍ تشبهه بين بير زيت ودمشق، لكنني متأكّدةٌ أن مكابرته على وجع الحنين عجّلت برحيله. سلامٌ لك، يا سلامة، وسلامٌ عليك.


على الرغم من كل ما حدث ويحدث من كوارث في بلاد الثورات، كان الراحل سلامة كيلة يرى، بحسّه الماركسي العميق، أن الشعوب لا تموت أبدا، ومتى بدأت بالحركة نحو التغيير ستستمر مهما مر عليها من زمن.
/”العربي الجديد”،2018-10-05

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2018/10/5/%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%84%D9%88-%D8%A3%D9%86%D9%87-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-1