One Secular Democratic State

يستحق بجدارة، أن نقول عن سلامه كيلة بعد أن فارق عالمنا المادي، بأنّ الفكر العربي قد خسر، فسلامة كان حتّى لحظاته الأخيرة منكبّاً على طبخ مؤلفٍ جديدٍ تحتاجه المكتبة الماركسيّة العربيّة الجديدة، ينقد تناول كارل ماركس لـ”المسألة الشرقيّة” لا أعلم ماذا ترك الرفيق الراحل من مخطوطات أوليّة لعمله، لم تكتمل.

وقبل وفاته بأيّام قليلة، أعاد تذكيري بكتاب ماركس ” المسألة الشرقيّة_ حول القوميّات في الدولة العثمانيّة”، كان قد كلّفني بجلب نسخة عربيّة قديمة منه، من صديق في مدينة صيدا، لأرسلها له إلى عمّان احتاجها لمؤلفه الجديد، فهو يأنف القراءة الإلكترونيّة، ويعشق ملامسة الكتب ونسخها القديمة بالأخص، لكنّ الموت كان في الإنجاز أسبق من إتمام المفكّر لعمله.

إلى جانب انكبابه الدائم على الإنجاز الفكري والمعرفي، انشغل سلامة في إعادة لملمة مكتبته الضخمة التي ضمّت آلاف الكتب والمراجع، التي عاش بينها سنوات طويلة في سوريا قبل أن يُجبر على تركها مبعداً من قبل السلطات عام 2012، وخصوصاً الكتب والمؤلفات القديمة والكلاسيكيات الماركسيّة، التي يمثّل تجديدها جلّ مشروع سلامة الفكري، فكان ينقّب عنها بين أكوام الكتب القديمة في معارض الكتب، أو ينبّش عنها في مكتبات أصدقائه ليأخذ نسخاً مصوّرة عنها.

خسرت المكتبة الماركسيّة العربيّة الجديدة سلامة كيلة، وهو الذي كان بكل لحظات حياته، في عزّ عطائه، وخسرت السياسة اليوميّة تعليقات سلامة وتحليلاته وجدالاته ومُجادلاته الثمينة، وخسرنا مرجعاً فكريّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً شكل لنا نحن أصدقاء ورفاق سلامة، عماداً مركزيّاً لحالة فكرية وسياسية وأخلاقيّة، عناصرها شباب عربي في عدّة أقطار، التفّوا حول فكرة ومشروع ما يزال ينزع للتجسّد، كان سلامة باعث الهمّة في حوامله.

مثّل سلامة ذهنيّة مختلفة، على قطيعة تامّة مع “ذهنيّة النكسة“ -التوصيف الذي طالما ناقشته به ووافقني عليه لذهنيات سائدة- وهي التي تشكّل ناظم عمل لجيل من السياسيين والمثقّفين العرب “ماركسيين ويساريين وقوميين”، كانوا عاملاً ذاتيّاً مساهماً في صناعة نكسات العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، ليصيروا “نخبةً” من المُبررين، بمنطق ومنطوق فاسد، لجملة من الأحداث التاريخيّة والراهنة، وفق منهجيّات مفوّتة، تغلب فيها المقولات السياسية على الماديّ بما هو حركة الواقع، ويُغيب المنظور الطبقي، لصالح جملة من المصالح والارتباطات.

فـ”ذهنيّة النكسة”، لا تفقه سوى تبرير الهزائم، وإدانة الشعوب، ووسمها بالتوحش وعدم الجاهزيّة لصنع مستقبلها بيدها، لذلك لا بد أن يحرص أصحاب تلك الذهنيّة، وبعضهم “ماركسيون” وعلمانيون، لإبقائها تحت سيطرة الأجهزة والسلطة، بما تعنيه من “عقلنة مطلقة” وفق ذهنيتهم، مطلوبة لزوم كبح جماح جموع “همجيّة” سلفيّة بطبعها كما ذهب بعضهم بمقالات صريحة.

فالتثوير فوضى في عصر الانحطاط كما يرطنون بصيغ مختلفة، وبعضهم أحزابٌ شيوعية، ونخبٌ تصنّف نفسها “تنويريّة”، ساهموا بجديّة في مسخ المفاهيم وإفراغها من مضامينها، فحوّلوا المقاومة بما هي فعل، إلى “ممانعة” بما هي تحوّط واستحياط حمائي لمنظومات ناهبة فاسدة مافيويّة، تتغطى ببضع مقولات، وتتمسّح بأعمق القضايا تلاصقاً في واقع ووجدان الشعوب العربيّة، كقضيّة الأراضي العربيّة المحتلّة والموقف الرافض لـ”إسرائيل”. فحتّى الانتصار وفق ذهنيتهم، صارت أكبر محدداته هي أبسط مؤشرات الهزيمة، “دمّر العدوان بضع قواعد، لكننا مستمرون” وفق المقولات الشهيرة للنكسويين العرب.

خاض سلامة صراعاً فكريّاً مريراً مع تلك الذهنيّة وحواملها من أحزاب و”نخب”، فالتاريخ لن ينتظركم أيّها المتخاذلون، و”الشعوب لم تعد قادرة على الاستمرار في العيش وفق الشروط الراهنة، وهنا محرّك الثورة” كما يقول الراحل، فالشرط الموضوعي المتوفّر، يتطلّب عاملاً ذاتيّاً للعبور بالثورة إلى مراحل تقدميّة، ووضعها على سكّة السيرورة نحو التحرر وافتكاك السلطة والشروع في تغيير البنى الاقتصادية والسياسية بما يضمن للشعوب رفاهها المعيشي، وتحررها السياسي والاجتماعي، ضمن مشروع نهضوي ثوري عربي، الكل مدعو للانخراط به.

وقف سلامة وحيداً كمثقف ومفكّر ثوري في ميدانه، فحالة  كيلة، الفكريّة والعمليّة، جسّدت الحالة المضادة لـ”لمثقّف المستقيل” المترفع عن الخوض في وعورة الواقع وملامسته، لإنتاج الأفكار والأدوات من متطلباته الماديّة، وبذلك واجه سلامة “ذهنيّة النكسة” عبر مؤلفات ومقالات انطلقت من الواقع بما هو مادة، وسعى لتحويلها إلى قوّة ماديّة للتأثير بالواقع وتغييره، فكانَ فرداً بحجم مشروع، طرح العديد من الأوراق والمبادرات وجمع حوله مئات الشبّان في العديد من الأقطار العربيّة، لخلق حزب ماركسي عربي ينطلق على رفات البنى الحزبيّة التي فقد كيلة إيمانه بها، وقال عنها “علينا أن ندفن موتانا”.

لم يؤمن كيلة كمثقف ماركسي، بـ”التنوير” المجرّد عن بنى اقتصاديّة وسياسية، من شأنها  تحقيق نهضة شاملة من خلال مسارٍ متواز، أي خلق منظومة اقتصاديّة تنمويّة عادلة، توفّر شروط التنوير المجتمعي العام، وإطلاق الحريّات السياسية والنقابيّة، وذلك لا يتم إلّا عبر الثورة والانخراط بها وتصدي كلّ الثوريين والشيوعيين لمهامهم فيها عبر مشروع موحّد، وهنا دخل كيلة في مواجهة مع مثقّفي “ذهنيّة النكسة” الذين يندفع بعضهم بإحباطه النكسوي، لعزو الهزيمة للبنى الفكريّة التقليديّة المتحكّمة بالناس، ويجوهرونها في الطبائع، وهنا أيضاً يبرز منظور استشراقي خبيث واجهه كيلة، أو انتهازيّة جليّة، لا يمكن عدّه مجرّد إحباط، غلّف منهجيات معظم اليساريين العرب، حيث وضعهم هذا المنظور لاعتبار نظم فاسدة ودمويّة كالنظام السوري، في مصاف النظم العلمانيّة التقدّمية التي تضمن عدم انفلات “الرعاع”.

في سياق المواجهة هذا، أشهر كيلة مؤلّفات قيّمة، فصاحب ” أطروحات من أجل ماركسيّة مناضلة” دأب على التوغّل في إشكاليات الماركسيّة الرائجة، للعبور نقديّاً نحو ذهنيّة منهجيّة تنطلق من واقع العرب، وتحدد المهام، فكان “نحو الانتصار” عنواناً يجمع بين التعبئة للعمل، والتحفيز للشروع في تحديد المهام، وتشخيص المشكلات واستقاء الأدوات، فدون ذلك لا انتصار، وهذا ما لا يعيه المثقف المستقيل، نكسوي الذهنيّة، فكان كيلة ذلك المثقف المتوجه للناس ولجيل عربيّ شاب، كتب له “نقد الماركسيّة الرائجة” و “النهضة المجهضة – إشكاليات الفكر العربي في القرن العشرين”، و “الدولة والهويّة والحداثة” وغيرها كثيرة، نبشت في الإشكاليّات ووضعت الجدل حولها في نصابه المنهجيّ الماركسي، البعيد عن قولبة شكّلت المرشد السابق لحركات وأحزاب، استقرّت بها أخيراً إلى نكسات سياسية وتنظيميّة بل وأخلاقيّة.

حلم سلامة، كان واقعاً ماديّاً يراه، لا مكان للإحباط في عقليّة وروحيّة المفكّر والمناضل دائم العمل والحركة، طالما الثمرة هي نتاج تراكم طويل، وسيرورة تاريخيّة لا ديدناً مستقيماً لها، ولا توقّفاً دائماً يصيبها، ولا تنتظر من يحاول إيقافها، بل يحتاج العبور بها إلى المنشود عملاً مؤثراً لا يتعب، ترك سلامة فينا روحيّته الثوريّة العنيدة، ولا بد من مواصلة التراكم الذي لن ينقطع برحيله المحزن.


https://www.rommanmag.com/view/posts/postDetails?id=5066