OSDS - One Secular Democratic State

تهمة “معاداة السامية” والمرض الفرنسي المُتَجدِد

بما أن الثقافة والثقافة السياسية كجزء منها ترتهن موضوعياً بالشروط المادية والتاريخية لمجتمع ما، لا تزال فرنسا مُثقلةٌ بإرثها الاستعماري من جهة وبإرثها المتواطئ مع مجازر النازية ضد التجمعات اليهودية في فرنسا إبان الاحتلال الألماني لها. من الثابت، أن جزءاً من فرنسا حاول ان لا يكون متواطئاً مع الجرائم النازية بل وقاوم الاحتلال النازي ورفض سياساته تجاه اليهود عامةً ، بالضبط كما حصل مع معارضي السياسات الاستعمارية الفرنسية في مستعمراتها وصولاً بالبعض منهم الى الالتحاق بصفوف حركات المقاومة الوطنية للشعوب المُستعمرة كما حدث في الجزائر ، إلا أن المناخ المجتمعي الفرنسي العام بقي في جزء هامٍ منه ملتزماً الصمت تجاه سياسات حكومية مُورِست باسمه، سياساتِ كان عنوانها الجرائم النازية والجرائم الاستعمارية التي لم يستطع المجتمع الفرنسي الحالي فتح صناديقها المقفلة خوفاً من اكتشاف حقائقها الرهيبة

وهكذا وبدلاً من مكاشفة الذات الفرنسية ومراجعة تاريخها، يجري الهروب الى الامام عبر مناوراتٍ فاشلة البعض منها واعياً (الجرائم الاستعمارية) والبعض الآخر يعشش في طبقات اللاوعي الجماعي المُنتجُ لمواقف لاعقلانية ومتطرفة كهذه التهم بمعاداة السامية التي توزعها المؤسسة الفرنسية بسخاء وبدون حرج على من يعادون الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني

“المشاعر بالذنب” الفرنسية لما تعرضَ له يهود فرنسا في ظل صمتٍ وتواطؤ جماعي هو الخلفية التاريخية لهذه المواقف الحالية المتشددة والمُتَهِمة لكل من عارض الصهيونية كأيديولوجية سياسية وسياسة الابارتهايد الإسرائيلية بمعاداة السامية حتى لو كان يهودياً فرنسياً. مشاعر الذنب المُتحولة لسياسة حكومية هي من شجع لوبي صهاينة فرنسا على تلفيق تهمة معاداة السامية للمناضلة اليهودية الفرنسية “أوليفيا زمور” وجرها الى المحكمة التي انعقدت في الامس(19/3/2018) بمدينة “فرساي” بتهمة معاداة السامية لنجاحها منذ ما قبل سبع سنوات في اقناع الفنانة الفرنسية” “فانِسا باردي” والفنان الأميركي “جوني دِب” على إلغاء حفلهما الموسيقي في تل ابيب ولقاء الرئيس الإسرائيلي حينذاك” شمعون بيريز”

اللوبي الصهيوني الفرنسي لفق لأوليفيا زمور تهماً خطيرة بـ”معاداة السامية، “إثارة مشاعر الكراهية والعنصرية” و”استفزاز التمييز العنصري والديني”..الخ. القاضي والمدعي العام رددا في قاعة المحكمة نفس الخطاب الصهيوني لمن رفع هذه القضية وذلك بمخالفة واضحة لدور القضاء وحياديته المُفترضة ولكن لم يكن لديه الكثير من الناحية القانونية لكي يقوله مُفضلاً إرجاء القرار الى ما بعد شهرين. هذه المحاكمة كانت مناسبة للقيام بنشاط ٍ حافل أمام قاعة المحكمة وذلك بحضور جمع غفير من مؤيدي القضية الفلسطينية والبعض جاء حتى من خارج فرنسا للتعبير عن رفضه لهذ المحاكمة اللاعادلة لهذه المناضلة البريئة من هذه التهم فتهمتها الوحيدة هي الدعوة لمقاطعة دولة الابارتهايد وسياساتها العنصرية بحق شعبٍ أعزل