One Secular Democratic State


في البداية لابد من التأكيد على حاجتنا لمسار ثوري بديل، بعد سنوات عديدة على مسار التنازل والانهزام والانحدار العربي والفلسطيني على حد سواء، وهو ما يمثل خيارنا السياسي في مجموعة دافع (دولة فلسطين العلمانية الديمقراطية الواحدة). الأمر الذي يدفع مجموعتنا للتعامل الإيجابي مع مبادرة المسار البديل عبر توجيه الانتقادات الجدية والواضحة لأي انحراف أو التباس نجده في هذه المبادرة المهمة، وعبر الاستعداد لخوض النقاشات الوطنية الجدية والهادفة مع أصحاب المبادرة في أجواء من الاحترام المتبادل وتقبل الرأي الأخر. وهو ما نسعى له عبر هذه الورقة النقدية الأولى، كمساهمة صغيرة ذات فكرة محددة، أي لا تشتمل الورقة على مجمل انتقاداتنا الملاحظة على الأوراق التي نشرتها مبادرة المسار البديل، على أن نستدرك عرض مجمل هذه الانتقادات في القريب العاجل عبر النقاش المباشر أو المساجلات والنقاشات المكتوبة. كما نتمنى على المشرفين على هذه المبادرة التعامل مع هذا الجهد بروحية وذهنية تشاركية تسعى إلى تطوير وإنضاج المبادرة بدل من التقوقع على الذات ورفض الرأي الأخر.
طالعنا “مؤتمر المسار الفلسطيني البديل” في ورقته بعنوان ” موقفنا: حول الصراعات في الوطن العربي وفهمنا لمعسكر المقاومة” على جملة من المحددات اعتبرها ناظماً للموقف مما يجري في الوطن العربي، استناداً إلى ثنائيّة ( معسكر الرجعية _ معسكر المقاومة” والتي طالما نظمت رؤى الحركة الوطنية الفلسطينية في تحديد مواقفها من الأنظمة العربيّة وتحالفاتها على مدى أكثر من نصف قرن، في اغفال كامل لجملة الوقائع التاريخية التي تدلل على أنّ كلا قطبي تلك الثنائيّة، لم يكونا سوى قواعد ارتكاز لضرب المشروع الوطني الفلسطيني في معظم محطات أوجه، بل كان الفعل الأكثر مباشرة في ضرب المشروع الفلسطيني واحتوائه لغرض تدجينه، قادماً مما يُسمّى ” محور المقاومة او المعسكر التقدمي المقاوم” الذي كان نظام حافظ الأسد في سوريا رأس حربته.
وبالقليل من المطالعة التاريخية بامكاننا ان ندرك دوره في اختراق الحركات الوطنية الفلسطينية وشق صفوفها، بل وضربها المباشر عبر التخلّي عنها في الاردن قبيل ما عُرفت بمجازر أيلول الاسود عام 1970، ودعم اعدائها في المعسكر الانعزالي اللبناني واسقاط مخيّم تل الزعتر، وملاحقة المناضلين الذين لم يخضعوا لمحاولات احتواء الموقف الفلسطيني وتدجينه، لاستخدامه ورقة اقليمية لخدمة سياسات النظام على حساب والموقف الفلسطيني الثوري المستقل، وصولاً إلى تدمير مخيّم اليرموك وتهجير سكّانه في إطار حربه ضد الشعب السوري.
وبعيداً عن الخوض في تفاصيل وقائع الممارسات التاريخية، التي تدلل على وهمية تلك الثنائيّة، ازاء مسألة دعم المقاومة الفلسطينية من أجل تحقيق اهدافها في تحرير فلسطين، ولأنّ خطّاً وهمياً طالما كان بارزاً بين قطبي تلك الثنائيّة على صعيد الشعارات المعلنة، وطبيعة الانظمة المكّونة لكلا القطبين، فإننا بمجرد التمحيص بالرؤى التي يطلقها كلا المعسكرين “الرجعي و المقاوم” ازاء حل القضيّة الفلسطينية، نجد انّه لا تناقض في كلا الرؤيتين، حيث تستند كلاهما على مبدأ حلّ الدولتين، بل أنّ مسار مفاوضات مدريد الذي انطلق عام 1991 بين نظام حافظ الأسد والكيان الصهيوني، كان وفق مبدأ “الأرض مقابل السلام” وحينها عبّر نظام الأسد عن رضاه في تحقيق السلام مع الكيان الصهيوني مقابل الجولان، الّا انّ صعود اليمين الصهيوني على رأس السلطة، بعد جولات “واي ريفير بين ديسمبر 1995 وفبراير 1996، وتقلّد بنيامين نتنياهو مقاليد الحكم في دولة الكيان، أطاح بمسار المفاوضات.
فمن هنا نلمس مراهنة رأس حربة ما يسمى “محور أو معسكر المقاومة”، على ما يسمّى “اليسار الصهيوني” بالضبط كمراهنة “مجموعة أوسلو” في منظمة التحرير على ذلك “اليسار”، وامكانية الحصول على “دولة فلسطينية” على ما يقسمه له من اراضٍ. وبالتالي برز تناقض هذا المحور مع فكرة تحرير كامل فلسطين من الكيان الصهيوني بما هو كيان استعماري استيطاني بدور وظيفي واضح لاحكام السيطرة الاستعماريّة على الأمّة، ويبرز ميل ذلك المحور للاعتراف بوجود هذا الكيان.
ولعل أهم ما محا الخط الوهمي بين المعسكرين ” الرجعي والمقاوم” هو انضمام ما يسمّى محور المقاومة، للمبادرة التي اطلقتها المملكة العربيّة السعودية بما تمثله من قيادة لمحور الرجعية العربيّة، وتبنيها بشكل كامل، والمقصود هنا المبادرة العربية التي تبنتها قمّة بيروت عام 2002، والتي نصّت على التطبيع الكامل مع “اسرائيل” مقابل انسحابها من الأراضي العربيّة المحتلّة عام 1967، وايجاد حل لقضيّة اللاجئين دون تحديده طبيعة ذلك الحل، ليغدو كلا المعسكرين متوافقين تمام التوافق ازاء القضيّة الفلسطينية، في حل يكرّس وجود “دولة اسرائيل” الاستعمارية الاستيطانية العنصرية بما تحمله من ادوار وظيفية.
ومع تسابق الأنظمة العربيّة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، برزت عدّة اشارات مما يُسمّى بـ “محور المقاومة” لقبوله خوض مسار تفاوضي مع الاحتلال سواء في لبنان حيث يسيطر على السلطة تحالف ” حزب الله والتيار الوطني الحر” وما بدأه من مفاوضات لترسيم الحدود البريّة والبحرية، وكذلك في سوريا، حيث قال رئيس النظام بشّار الأسد بكل وضوح لوكالة الانباء الروسيّة ” سبوتنيك” إنّه يقبل السلام مع ” اسرائيل” بشرط وحيد، وهو انسحاب الأخيرة من الجولان، شاطباً بذلك الحديث عن الحقوق الفلسطينية بشكل كامل، وعن دور اسرائيل الوظيفي، وعن موقف “محور المقاومة” المفترض من النضال التحرري في مواجهة المشاريع الاستعماريّة حتّى زوالها، ولا تفوتنا العلاقة المميزة بين “رأس حربة المحور” المتمثلة بنظام الأسد والنظام الاماراتي قائد قطار التطبيع الجديد مع دولة الكيان، بل وحتّى رفضه التعليق على تطبيعها معه.
كلّ ذلك، غاب عن ورقة ” المسار الفلسطيني البديل” الذي ما يزال يعيد انتاج مفردات شعاراتيّة أكل عليها الدهر وشرب، و يستند إلى تحديدات وهميّة عبر استجرار ثنائيّة، لا تعبّر عن الواقع الموضوعي بصلّة، حيث من المناط بالحركة الثوريّة قراءة الواقع بكامل معطياته، وبناء الموقف استناداً اليها، وليس الى تمثلات ذهنية يرفض اصحابها اعادة النظر بها.
وتحاول الورقة المطروحة من قبل القائمين على “المسار الفلسطيني البديل” تكريس تمييز تعسفّي بين تلك الانظمة استناداً الى الثنائيّة الوهمية المشار اليها، من خلال الايهام بوجود ذلك المعسكر أولاً، ومن ثم استجدائه ليقوم بمهامه وواجباته، في حين تقر في مقدمتها ما نصّه :” منذ الحملة الاستعمارية على فلسطين، لم تدخر قوى الاستعمار والرجعية العربية جهداً لفك ارتباط الشعوب العربية بفلسطين، لخدمة الهدف الأكبر وهو إحكام السيطرة الاستعمارية على فلسطين والمنطقة، والتي كان أولى حلقاتها تسهيل استعمار فلسطين وتمكين الصهاينة فيها، وبعدها هدفت لحماية الكيان الصهيوني وإضعاف الفعل العربي الرسمي والشعبي، وصولاً لاتفاقيات “السلام” بدءاً من كامب ديفيد ومسار مدريد – أوسلو ووادي عربة وغيرها التي تركز الهدف منها على شرعنة الوجود الاستعماري وتطبيعه، كما هدف هذا المشروع لإقامة تناقض وهمي ما بين مصلحة وحقوق الشعوب العربية من جهة والتزاماتها حيال فلسطين من جهة ثانية”.
واذ لا يبدو خلافاً نظرياً مع ما اورده النص، الّا أنّ ما استتبعته الورقة، يظهر كمّاً كبيراً من التناقضات، حيث أنّ مسارات السلام كلّها شاركت فيها الانظمة قاطبة كما قلنا سابقاً، سواء ” الرجعية أم المقاومة” وصولاً إلى المبادرة العربيّة عام 2002 التي وحدّت الرؤى وطابقتها، الى التطبيع واستعداد الجميع لركوب القطار وفق اقل الشروط التي تستثني القضيّة الفلسطينية، الا من الشعارات وبعض التأكيدات على دولة فلسطينية دون تحديد ماهيتها.
و تناولت الورقة مسألة الحريّات والحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعوب العربيّة، من جانب توظيفها “في خدمة إحكام السيطرة الاستعمارية الغربية على المنطقة من أجل حماية الكيان وشرعنته وفرض التطبيع معه” حسبما جاء فيها، وأغفلت بذلك، أنّ المسار التحرري العربي وفي قلبه تحرير فلسطين، لا يمكن ان يتم دون حريّة الشعوب العربيّة من الاستبداد وحقّها في تقرير مصيرها، حيث أنّ الاستبداد بالدرجة الأولى هو من وفّر الغطاء لكافة التدخّلات الأجنبيّة سواء التي تقوم بها الولايات المتحدة والقوى الغربيّة للتدخّل بالشعوب تحت شعارات الحريّة والديمقراطيّة، وتلك التي استدعتها انظمة الاستبداد نفسها، والتي واجهت شعوبها المنتفضة من اجل حقوقها بالحديد والنار، وباستدعاء قوى أجنبيّة احتلالية تساعدها على القمع والتهجير واخماد الثورات، وهو ما فعله بأفقع صوره النظام السوري الذي استدعى دول وجماعات ميليشياوية ذات طبيعة مذهبيّة رجعية ظلاميّة مرتبطة بدول اقليمية، لمواجهة شعبه، وجعل بلده قاعدة للعسكر الروسي، وكذلك شرّع حدوده لكافة انواع التدخلات، التي كان بامكانه تجنّبها لو أنّه بالفعل نظام مقاوم وتقدمّي، عبر الانصات لشعبه، وتعزيز الجبهة الداخليّة باطلاق الحريّات السياسية ومحاربة الفساد، والشروع بتعديلات داخلية ثورية نحو تداول السلطة، الّا أنّ طبيعته المافيوية العائلية وارتباطاته الدولية ومهامه الوظيفيّة الظاهرة في تثبيت احتلال الجولان ومنع “الفوضى على حدود اسرائيل” هو بالضبط ما حال دون ذلك.
كما أنّ لتلك الأنظمة التي شملتها الورقة ضمن “معكسر المقاومة” تاريخ طويل في العداء لشعوبها، عبر نهب مقدراته، وتكريس نظام أحادي استبدادي مافيوي، و ضرب الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري، وحوّل بلاده إلى صحراء سياسية، وحين انتفضت تلك الشعوب، واجهتها بالقتل والتهجير والاعتقال، ومن هنا، كيف يطالب القائمين على ورقة “المسار الفلسطيني البديل” شعوب العراق وسوريا على سبيل المثال، الامتثال إلى ما يسمّى ” معسكر المقاومة” وهو يرتكب ابشع المجازر بحقّها، سواء النظام السوري الذي هجّر الملايين ودمّر المدن والبلدات بالبراميل المتفجّرة، وخلّف مئات الاف الضحايا والمعتقلين، وكذلك نظام الاحزاب المذهبية الطائفيّة الحاكم في العراق، وما ارتكبه من مجازر دموية بحق المنتفضين لحقوقهم، عدا عن نهب مقدرات العراق الذي تذيّل بعهدهم قائمة الدول الفاشلة، ويقبع اليوم على عتبة الانهيار؟.
كيف اعطت تلك الذهنية التي نظمت ما ورد في الورقة، لنفسها صلاحية أن تضع كل هذا القتل والنهب والتدمير، “ضمن التطوّرات الميّدانيّة والسياسيّة المُتسارِعة على جبهة فلسطين، لبنان، العراق، سوريا، اليمن ، وما جرى من نكبات وهزائم وما تحقّق في السنوات الأخيرة من صمودٍ وانتصاراتٍ في مواجهة” حسبما جاء في النص، وهي في ذلك تصطف ضد الشعوب مع ناهبيها وتجعل من المجازر الجماعية انتصارات، وتريد من الشعوب بذات الوقت ان تصطف الى جانبها، وهذا ما لا يتصوره منطق تحرري؟.
21/12/2020
مجموعة دولة فلسطين العلمانية الديمقراطية الواحدة (دافع)

Categories: Uncategorized